توقيف عشرين شخصاً في إيطاليا وإسبانيا… وشبكات تهريب الحشيش من المغرب تفضح حدود التقنين أمام الطلب الأوروبي

0
78

في لحظةٍ تبدو فيها المقاربة القانونية في المغرب وقد خطت خطوة “تاريخية” نحو تقنين زراعة القنب الهندي، تعود الوقائع الميدانية من الضفة الأوروبية لتطرح السؤال ذاته بإلحاح أكبر: لماذا يستمر نفس المسار، ونفس الشبكات، ونفس التدفقات، وكأن شيئاً لم يتغير؟

آخر هذه الوقائع، عملية أمنية مشتركة بين إيطاليا وإسبانيا، انتهت بتفكيك شبكة لتهريب الحشيش انطلاقاً من المغرب نحو مدن أوروبية، وتوقيف عشرين شخصاً بين ميلانو وبرشلونة وماربيا، بعد تحقيق قادته النيابة العامة بميلانو بتنسيق مع أجهزة مكافحة المافيا. أرقام العملية ليست مجرد معطيات تقنية: مئات الكيلوغرامات من الحشيش، منظومة لوجستية معقدة، وثائق مزورة، هواتف مشفرة، وسيارات بلوحات أجنبية… إنها بنية احترافية تعكس اقتصاداً موازياً أكثر منه مجرد نشاط إجرامي عابر.

لكن خلف هذه الصورة الأمنية، تتكشف مفارقة عميقة: المغرب قنن زراعة القنب الهندي لأغراض طبية وصناعية عبر الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي، واضعاً إطاراً قانونياً يهدف إلى إدماج الفلاحين في اقتصاد مشروع، وتقليص نفوذ الشبكات غير القانونية. ومع ذلك، تشير العمليات الأوروبية إلى أن “السوق غير المشروع” لم يتقلص، بل يبدو أنه يعيد ترتيب نفسه.

الخلل هنا لا يبدو قانونياً صرفاً، بقدر ما هو فجوة بين النص والتطبيق. فالتقنين، في جوهره، لم يستهدف السوق التقليدي للحشيش الموجه للاستهلاك الترفيهي في أوروبا، بل ركّز على تحويل جزء من الإنتاج نحو الصناعات الدوائية والتجميلية. هذا يعني أن الطلب الأوروبي على الحشيش التقليدي ظل قائماً، بل ومربحاً، ما يُبقي الباب مفتوحاً أمام الشبكات لملء هذا الفراغ الذي لم يمسه التقنين.

ثم إن الدولة، رغم إحداثها لمؤسسات تنظيمية، لا تزال تواجه تحدياً مركباً: كيف تنتقل من منطق “الضبط القانوني” إلى “إعادة هيكلة السوق”؟ فالفلاح الصغير، الذي يُفترض أن يكون المستفيد الأول من التقنين، يجد نفسه بين مسارين: مسار قانوني معقد، يتطلب تراخيص وشروطاً صارمة، ومسار غير قانوني سريع الربح، تديره شبكات عابرة للحدود تضمن تصريف الإنتاج. هنا، لا يصبح القانون بديلاً فعلياً، بل خياراً نظرياً في مواجهة اقتصاد واقعي.

التحقيقات الأوروبية نفسها تكشف جانباً آخر من الخلل: الشبكات لم تعد محلية، بل هجينة، تضم جنسيات متعددة (مغاربية ورومانية وغيرها)، وتشتغل بمنطق احترافي عابر للحدود. وهذا يطرح سؤالاً سيادياً أيضاً: هل يمكن لمقاربة وطنية أن تواجه ظاهرة ذات طبيعة دولية دون تنسيق استخباراتي واقتصادي أعمق مع الشركاء الأوروبيين؟

في العمق، يبدو أن التقنين المغربي أُسيء فهمه أو أُفرغ من جزء من أهدافه. لم يكن الهدف إنهاء التهريب بين ليلة وضحاها، بل بناء بديل تدريجي. غير أن هذا “التدرج” يصطدم بإيقاع السوق غير المشروع، الذي يتحرك بسرعة أكبر من السياسات العمومية.

هنا تتقاطع الظاهرة والمضمر:

  • الظاهر هو استمرار حجز الشحنات وتفكيك الشبكات.

  • والمضمر هو أن بنية الطلب في أوروبا لم تتغير، وأن العرض المغربي—القانوني وغير القانوني—لا يزال جزءاً من معادلة أكبر.

وعليه، فإن السؤال الحقيقي ليس: “أين الخلل؟ في القوانين أم في الدولة؟” بل ربما: هل التقنين وحده كافٍ في غياب سياسة شاملة تعالج سلسلة القيمة كاملة، من الحقل إلى السوق الدولية؟

العملية الأمنية الأخيرة ليست مجرد نجاح أمني أوروبي، بل مرآة تعكس حدود الإصلاح من جهة واحدة. فحين يظل الطلب قائماً، وتبقى الفجوة بين القانون والواقع مفتوحة، فإن الشبكات ستجد دائماً طريقها… حتى داخل أكثر الأنظمة تقنيناً.