حزب “الأحرار” بلا خلفاء لأخنوش … حين تتحوّل “بورصة الأسماء” إلى مرآة لقلق المرحلة

0
151

في اللحظة التي بدأت فيها أسماء تتكاثر في الفضاء العمومي كأنها أوراق بورصة، بدا حزب التجمع الوطني للأحرار وكأنه دخل – في المخيال الإعلامي – مرحلة ما بعد عزيز أخنوش، حتى قبل أن يُعلن الحزب نفسه أن هذه المرحلة قد بدأت. فبين رشيد الطالبي العلمي، وياسر الزناكي، وحفيظ العلمي، ومحمد أوجار، تشكّل انطباع عام بأن “الخلافة” صارت مسألة محسومة، أو على الأقل قيد الحسم. لكن داخل الحزب، وفق معطيات دقيقة من قيادة الأحرار، الصورة مختلفة جذريًا: لا مرشحين، لا ترشيحات، ولا حتى نقاش رسمي في الأسماء.

الحزب، كما يقدّمه مصدر قيادي، لا يعيش سباق خلافة بقدر ما يعيش لحظة ضبط مسطرة. مرحلة تقنية-تنظيمية تُهيّئ لمؤتمر وطني استثنائي، لا مرحلة توزيع مواقع أو إعادة ترتيب مراكز نفوذ. فإلى حدود الساعة، لم تُودَع أي ترشيحات لدى اللجنة التحضيرية، ولم يتداول المكتب السياسي في أي اسم، ولم تصدر عن عزيز أخنوش أي إشارة بخصوص من سيخلفه. كل ما يُتداول خارج ذلك ليس سوى قراءة خارج النص التنظيمي.

هنا بالضبط يظهر التناقض بين منطقين:
منطق الحزب، الذي يشتغل بمنطق القواعد والآجال والمساطر؛
ومنطق الفضاء العام، الذي يشتغل بمنطق “الخليفة الجاهز”.

فالذين يروّجون أسماءً بعينها، يقرأون التجمع الوطني للأحرار بعيون ثقافة سياسية تقليدية ترى في كل انتقال لحظة صراع على الوراثة الرمزية، لا لحظة تفعيل للنصوص. لكن الحزب، منذ 2017، بنى جزءًا كبيرًا من شرعيته الداخلية على الانضباط للمؤسسات، لا على الكاريزما الفردية.

هذا ما يفسّر، في نظر المصدر، قرار عزيز أخنوش اقتراح عقد مؤتمر استثنائي بدل استنفاد ولايته القصوى. كان بإمكانه – سياسيًا وتنظيميًا – أن يذهب في اتجاه التمديد أو تعديل القواعد، لكنه اختار العكس: تحرير الانتقال من الشبهات، وإخراجه من منطقة التأويل إلى فضاء القاعدة القانونية. وهو ما يجعل المرحلة الراهنة، في العمق، ليست لحظة فراغ، بل لحظة تحكّم.

غير أن هذا الخيار المؤسساتي، الهادئ بطبيعته، يصطدم بمنطق إعلامي يبحث عن الإثارة: من هو القادم؟ من يملك الحظوظ؟ من يُمسك بالخيوط؟ وهنا تظهر ما يمكن تسميته بـ “صناعة الخلفاء إعلاميًا”: تضخيم أسماء، تقديمها كمرشحين طبيعيين، خلق انطباع بوجود سباق غير معلن، ثم تحميل الحزب مسؤولية غموض لم يصنعه.

في هذا السياق بالذات، ظهر منشور فيسبوكي يُقدّم رشيد الطالبي العلمي كـ“مرشح قوي” لقيادة الحزب لفترة انتقالية إلى ما بعد الانتخابات التشريعية. ظاهريًا، هو تسريب سياسي.

لكن لغته ورمزيته تكشف أكثر مما تقول. ففكرة “الفترة الانتقالية” لا تُستعمل إلا حين يُفترض أن دورة سياسية توشك على الانتهاء، وأن الحزب يحتاج إلى مدير عبور لا إلى زعيم مشروع طويل.

اختيار الطالبي العلمي في هذا الخطاب ليس اعتباطيًا: إنه يُقدَّم كشخصية مؤسساتية، توافقية، غير صدامية، تصلح لإدارة التوازنات في مرحلة حساسة. أي أن الرسالة الحقيقية ليست: “الطالبي العلمي هو القادم”، بل:
“الحزب مقبل على مرحلة إعادة ترتيب بعد الانتخابات، ويبحث عن من يُمسك المقود لا من يقود المعركة.”

لكن هذا السيناريو – مهما كان ذكاؤه الرمزي – يبقى خارج المسار الرسمي. فداخل التجمع، الرهان الحقيقي ليس على الاسم، بل على استمرارية البنية: شبكة التنظيمات، الهياكل المهنية، القواعد الجهوية، والتراكم الذي بُني خلال سنوات. القيادة، بحسب المصدر، تخشى شيئًا واحدًا: أن يتحوّل الانتقال إلى لحظة قطيعة أو تصفية حسابات. ولذلك يجري تحييد منطق الأشخاص لصالح منطق الاستمرارية.

في العمق، ما يعيشه حزب الأحرار يعكس مفارقة أوسع في السياسة المغربية:
كلما حاول حزب أن يُدبّر انتقاله بهدوء مؤسساتي، جرى جره إلى حلبة الأسماء.
وكلما أخّر النقاش في الزعامات، قُرئ ذلك كصراع مكتوم.

لكن داخل الحزب، الرسالة واضحة:
الخلافة لا تُصنع في الفيسبوك، ولا تُحسم في المقالات، ولا تُدار في بورصة التكهنات. بل تُحسم في المؤتمر، بالأصوات، وبالترشيحات المودعة، وتحت سقف القواعد.

إلى ذلك الحين، سيبقى الحزب – رسميًا – بلا مرشحين، وبلا خلفاء.
أما الضجيج… فشيء آخر.