حوادث دمنات المتكررة… نفس الطرق، نفس الحوادث، والأرواح تضيع ونفس التحقيقات بلا نتيجة

0
104

في صباحٍ بدا عادياً على طرقات الأطلس، تحوّل المسار الرابط بين دواوير جماعة سيدي بولخلف إيواريضن وضواحي دمنات إلى مسرح مأساة جديدة، تضاف إلى سجل طويل من الحوادث الدامية التي لم تعد مفاجئة بقدر ما أصبحت تكراراً لنفس السيناريو. انقلاب سيارة لنقل الركاب من نوع “ترانزيت” لم يكن مجرد حادث عرضي، بل حلقة أخرى في سلسلة حوادث تكشف، كل مرة، عن أعطاب أعمق من مجرد “فقدان السيطرة” أو “ظروف غامضة”.

المعطيات الأولية للحادث، كما جرت العادة، تتحدث عن انقلاب مفاجئ في منعرج أو مقطع طرقي صعب، مع تدخل سريع للسلطات وفتح تحقيق لتحديد المسؤوليات. لكن قراءة أوسع في حوادث مشابهة، خصوصاً في نفس المجال الجغرافي، تُظهر أن القصة غالباً ما تبدأ قبل لحظة الانقلاب بكثير. ففي حادث مأساوي سنة 2023 بنفس المنطقة، أودى انقلاب سيارة مماثلة بحياة 24 شخصاً، في واحد من أكثر الحوادث فتكاً، ما دفع حتى الفرقة الوطنية للدرك الملكي إلى التحقيق في احتمال وجود تقصير في المراقبة أو خلل في شروط السلامة .

وليس ذلك استثناءً، إذ تكشف وقائع متكررة أن هذه العربات، سواء كانت مرخصة أو تشتغل في إطار النقل غير المهيكل، غالباً ما تنقل أعداداً تفوق طاقتها، وتسلك طرقاً جبلية ضيقة تفتقر لأبسط شروط السلامة، ما يجعل أي خطأ بسيط قاتلاً. ففي حادث سابق بدوره قرب دمنات، كان السبب المباشر هو السرعة المفرطة وفقدان التحكم في منعرج خطير، وهي عوامل تتكرر بشكل شبه نمطي .

غير أن التفسير التقني للحوادث لا يكفي. فالتقارير المرتبطة بسلامة الطرق تشير إلى تداخل ثلاثة مستويات من الأسباب: سلوك السائق، حالة الطريق، ووضعية المركبة. السرعة، التجاوز المتهور، والإرهاق عوامل بشرية حاسمة، لكنّها تتفاقم حين تُمارس فوق طرق غير مهيأة، أو في مركبات تفتقر للصيانة أو لا تستجيب لمعايير نقل الركاب . وهنا تتحول المسؤولية من فردية إلى بنيوية.

في العمق، تكشف هذه الحوادث عن معضلة النقل القروي في المغرب، حيث يصبح “الترانزيت” بديلاً اضطرارياً لغياب وسائل نقل آمنة ومنظمة. هذا الفراغ يدفع الساكنة إلى المخاطرة اليومية، ويضع السائقين في موقع ضغط اقتصادي يدفعهم أحياناً لتجاوز القواعد، في ظل رقابة غير كافية أو متقطعة. التحقيقات تُفتح بعد كل حادث، لكن نتائجها نادراً ما تتحول إلى سياسات ردع أو إصلاح مستدام، ما يجعل المأساة قابلة للتكرار بنفس التفاصيل تقريباً.

هكذا، لا يبدو حادث دمنات الأخير مجرد واقعة معزولة، بل مرآة لوضع أعمق: طرق قروية خطرة، نقل غير مهيكل، ومراقبة لا تواكب حجم المخاطر. وبين لحظة الانقلاب ولحظة إعلان نتائج التحقيق، تبقى الأسئلة الكبرى معلّقة: هل تكفي لجان التحقيق لكسر هذا المسار المتكرر؟ أم أن الأمر يحتاج إلى إعادة نظر شاملة في منظومة النقل والسلامة الطرقية، قبل أن يتحول كل منعرج في هذه المناطق إلى موعد محتمل مع الفاجعة؟