حين تتحول الزيادة في الأجور إلى موقف فكري: ماذا يقول طلال أبوغزاله عن الاقتصاد والإنسان؟

0
93

في خطوة لافتة تتجاوز منطق القرارات الإدارية التقليدية، أعلن الدكتور طلال أبوغزاله، رئيس ومؤسس مجموعة طلال أبوغزاله العالمية الرقمية، عن إقرار علاوة استثنائية لموظفي المجموعة بنسبة تصل إلى 15% من إجمالي الرواتب، بكلفة سنوية تفوق أربعة ملايين ونصف مليون دولار على مستوى المجموعة، ومليون دولار في الأردن وحدها.

لكن أهمية هذا القرار لا تكمن في رقمه المالي فقط، بل في الفلسفة التي يستبطنها، والخطاب الاقتصادي والاجتماعي الذي يعكسه في لحظة عالمية تتسم بالتقشف، وتسريح العمال، وتجميد الأجور في كبريات الشركات الدولية.

أبوغزاله، في بيانه، لا يقدّم العلاوة باعتبارها امتيازاً أو منّة، بل باعتبارها أولوية أخلاقية واقتصادية، حين يقول صراحة إن “تحسين أوضاع أبنائنا العاملين في صدارة الأولويات”. هذه الجملة وحدها تختصر تصوراً كاملاً للعلاقة بين رأس المال والعمل: علاقة شراكة لا علاقة كلفة.

منطق معاكس للسوق

في الوقت الذي تسير فيه معظم الشركات العالمية نحو تقليص النفقات البشرية تحت ذريعة الأزمات الجيوسياسية والحروب وارتفاع التكاليف، يختار أبوغزاله اتجاهاً معاكساً:
رفع الأجور رغم إدراكه أن ذلك سيزيد النفقات التشغيلية بنسبة 15% سنوياً.

هنا لا نتحدث عن قرار شعبوي أو عاطفي، بل عن رهان اقتصادي مختلف:
الرهان على الإنسان بوصفه أصل الشركة الحقيقي، لا عبئها المحاسبي.

بل أكثر من ذلك، اعتمدت المجموعة نظام شرائح تصاعدي يجعل نسبة الزيادة أعلى كلما كان الراتب أقل، وهو تفصيل بالغ الدلالة، لأنه يعكس وعياً طبقياً نادراً في خطاب رجال الأعمال العرب، حيث يتم استحضار العدالة الاجتماعية داخل المؤسسة، لا خارجها فقط.

نموذج إدارة لا يعتمد منطق الطوارئ

اللافت أن المجموعة، بحسب بيانها، لم تلجأ خلال الأزمات السابقة إلى أي تخفيض في الرواتب أو المخصصات، ولم تستعمل الاستثناءات القانونية التي تسمح بها التشريعات في حالات الطوارئ، ولم تُنهِ خدمات أي موظف من موظفيها، رغم أنها تضم أكثر من 1650 عاملاً حول العالم.

وهنا يصبح القرار الأخير امتداداً لمسار، لا مجرد حدث عابر.
أي أننا أمام نموذج إداري قائم على الاستقرار الوظيفي بوصفه شرطاً للإنتاجية، لا نتيجة لها.

ماذا يقول أبوغزاله ضمناً؟

وراء لغة البيان الرسمية، يمكن قراءة ثلاث رسائل كبرى في خطاب طلال أبوغزاله:

  1. الاقتصاد ليس أرقاماً فقط: بل هو منظومة ثقة متبادلة بين المؤسسة والعاملين فيها.

  2. الربح لا يتناقض مع العدالة الاجتماعية: بل قد يكون نتاجاً لها.

  3. الشركات في العالم العربي قادرة على إنتاج نماذج أخلاقية مستقلة، لا مجرد تقليد للنماذج النيوليبرالية الغربية.

حين يقول أبوغزاله إنه واثق من أن أبناءه وبناته “سوف يثبتون للعالم مزيداً من النجاح والتقدم”، فهو لا يخاطب موظفيه فقط، بل يقدّم رؤية بديلة عن معنى القيادة الاقتصادية في المنطقة: قيادة لا تقوم على الخوف، بل على الانتماء. ولا على العقود الجامدة، بل على الثقة طويلة المدى.

قرار إداري أم بيان فلسفي؟

في المحصلة، يمكن قراءة هذا القرار بطريقتين:

  • كخبر اقتصادي عن زيادة في الرواتب.

  • أو كـ بيان فلسفي عن دور المؤسسة في زمن الأزمات.

والقراءة الثانية هي الأهم، لأنها تضع طلال أبوغزاله في موقع رجل الأعمال الذي لا يرى في شركته مجرد كيان ربحي، بل فضاءً اجتماعياً له مسؤولية أخلاقية تجاه من يعملون داخله.

في زمن تُدار فيه الشركات بلغة الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، يذكّرنا أبوغزاله بحقيقة بسيطة ومحرجة في آن واحد: لا قيمة لأي تحول رقمي بدون إنسان يشعر بالأمان والكرامة.