في ظاهرها، تبدو اتفاقية الشراكة الموقعة بين وكالة التنمية الرقمية والمركز السينمائي المغربي خطوة تقنية عادية تندرج ضمن دينامية تحديث الإدارة، لكن في عمقها تكشف عن تحوّل أكثر هدوءًا وأشد تأثيرًا: إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والصورة، بين الرقمنة والسيادة الثقافية، وبين الصناعة السينمائية ومنطق البيانات.
البلاغ الرسمي يربط الاتفاقية بسياق “المغرب الصاعد” وتنزيل النموذج التنموي الجديد للمملكة، وكذا تفعيل استراتيجية المغرب الرقمي 2030. غير أن هذا الربط، رغم وجاهته الظاهرية، يطرح سؤالًا أعمق: هل نحن أمام تحديث أدوات تدبير قطاع السينما، أم أمام إعادة هيكلة خفية لمنظومة إنتاج المعنى البصري في المغرب؟
الاتفاقية، كما قُدِّمت، تركز على إرساء نظام معلوماتي “شفاف ودينامي”، تبسيط المساطر، وتسريع الخدمات للمهنيين. وهي أهداف طالما شكلت مطالب ملحّة داخل القطاع، خصوصًا في ظل انتقادات متكررة لبيروقراطية التراخيص، وتعقيد الولوج إلى الدعم، وغموض بعض آليات الحكامة. لكن إدخال الفاعل الرقمي هنا لا يعني فقط تسريع الإجراءات، بل يعني أيضًا نقل جزء من سلطة القرار إلى الخوارزميات، أو على الأقل إلى منطق “تدبيري” قائم على البيانات.
في هذا السياق، تصبح الرقمنة أكثر من مجرد أداة: إنها بنية جديدة لإعادة توزيع النفوذ داخل الحقل السينمائي. فمن يتحكم في المنصة الرقمية، يتحكم – بشكل غير مباشر – في مسارات الإنتاج، في أولويات الدعم، وربما حتى في “الذوق المؤسسي” الذي يحدد أي المشاريع تستحق المرور إلى مرحلة التنفيذ.
اللافت أيضًا أن الاتفاقية تأتي في لحظة دولية يشهد فيها القطاع السينمائي تحولات جذرية بفعل صعود الذكاء الاصطناعي، ومنصات البث، واقتصاد المحتوى. هنا، لا يعود السؤال فقط: كيف نرقمن الإدارة؟ بل: كيف نحمي السيادة الثقافية في زمن تتشكل فيه الصور خارج الحدود، وتُعاد صياغتها بخوارزميات عابرة للدول؟
من هذا المنظور، يمكن قراءة هذه الشراكة كاختبار حقيقي لقدرة المؤسسات المغربية على الانتقال من منطق التدبير الإداري إلى منطق الاستباق الاستراتيجي. هل ستكتفي بتحسين الخدمات؟ أم ستتحول إلى منصة ذكية لإنتاج وتوجيه الصناعة السينمائية؟ وهل سيكون المهنيون شركاء فعليين في هذا التحول، أم مجرد “مستعملين” لنظام رقمي جاهز؟
توقيع المديرين محمد رضا بن جلون وأمين المزواغي على الاتفاقية بحضور ممثلي المؤسستين، يضفي طابعًا مؤسساتيًا واضحًا، لكنه لا يحسم النقاش الجوهري: أين تنتهي الرقمنة كوسيلة، وأين تبدأ كأداة لإعادة تشكيل السلطة داخل قطاع حساس مثل السينما؟
في النهاية، قد لا تكون هذه الاتفاقية مجرد تعاون تقني، بل لحظة مفصلية في مسار طويل: مسار انتقال السينما المغربية من إدارة الورق إلى إدارة البيانات… ومن “لجنة الدعم” إلى “خوارزمية الاختيار”. السؤال الذي سيبقى معلقًا: من يكتب سيناريو هذا التحول؟