تحت شعار “إصلاح المنظومة وبناء نموذج تنموي رياضي رائد”، احتضنت الدار البيضاء يومًا دراسيًا حول كرة السلة الوطنية، نظمته الجامعة الملكية المغربية لكرة السلة بشراكة مع وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة واللجنة الوطنية الأولمبية المغربية، وبحضور شخصيات رياضية وسياسية من بينها الوزير السابق ولاعب كرة السلة الأسبق صلاح الدين مزوار.
في الظاهر، يتعلق الأمر بمحطة تقنية لتشخيص أعطاب لعبة بعينها. لكن في العمق، يعكس اللقاء سؤالًا أوسع: كيف تُدار الرياضة في المغرب خارج دائرة كرة القدم؟
أرقام تكشف حجم الرهان
المغرب يضم أكثر من 55 جامعة واتحادًا رياضيًا، منها حوالي 33 تخصصًا أولمبيًا. هذا المعطى وحده يبرز حجم المسؤولية الملقاة على مديرية الرياضة داخل الوزارة الوصية. فنحن لا نتحدث عن قطاع محدود، بل عن منظومة متعددة المستويات، تمتد من المدرسة إلى الجامعة، ومن الهواية إلى الاحتراف، ومن المنافسة الوطنية إلى الرهان الأولمبي.
في هذا السياق، يصبح النقاش حول الحكامة والكفاءة مسألة مؤسساتية لا شخصية. فإدارة هذا العدد من الجامعات تتطلب رؤية استراتيجية، وآليات تقييم دقيقة، وربطًا واضحًا بين الدعم العمومي والنتائج، فضلًا عن قدرة على التنسيق مع الفاعلين المحليين والدوليين.
بين المسار الإداري ومتطلبات المرحلة
من باب المهنية والإنصاف، يُسجل أن مدير الرياضة الحالي شغل سابقًا مهام تدبير منشأة رياضية كانت تستقبل الرياضيين للتداريب والإقامة. وهو مسار إداري مشروع في حد ذاته. غير أن طبيعة إدارة منشأة أو مركز استقبال تختلف، من حيث الاختصاص والحجم، عن تدبير مديرية تشرف على عشرات الجامعات وتواكب التحضير الأولمبي وتؤطر تنزيل قانون 30.09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة.
السؤال هنا ليس تقييم أشخاص، بل مساءلة معايير التعيين في المناصب العليا: هل تعتمد المنظومة الرياضية على التخصص الدقيق في الحكامة الرياضية؟ هل توجد معايير معلنة لانتقاء الكفاءات القادرة على قيادة إصلاح هيكلي طويل المدى؟
هذا النقاش يظل مشروعًا في إطار صحافة الرأي، ما دام موجّهًا إلى السياسات العمومية لا إلى النوايا الفردية.
كرة السلة… حالة خاصة أم نموذج دال؟
التصريحات التي رافقت اليوم الدراسي ركزت على ثلاث قضايا مركزية:
-
ضرورة اعتماد حكامة رشيدة وتخطيط مبني على النتائج.
-
إعادة الاعتبار للتكوين وربط الرياضة بالمدرسة.
-
البحث عن نموذج اقتصادي قادر على جذب الاستثمار.
هذه العناوين ليست جديدة في الخطاب الرياضي المغربي، لكنها تكتسب أهميتها حين تُربط بسؤال الاستمرارية:
هل نمتلك فعلاً رؤية تمتد لأربع أو خمس سنوات، كما اقترح بعض المتدخلين؟
وهل يتم تقييم حصيلة كل دورة أولمبية بشكل مؤسساتي شفاف؟
النجاح النسبي لكرة القدم أظهر أن الاستثمار طويل الأمد، والبنيات التحتية، والاستقرار التقني، يمكن أن تصنع الفارق. أما باقي الرياضات، فتظل في حاجة إلى نموذج مماثل من حيث الصرامة والوضوح.
حضور مزوار… الرياضة كفضاء عمومي
حضور صلاح الدين مزوار، بصفته لاعبًا سابقًا ووزيرًا سابقًا وأمينًا عامًا سابقًا لحزب يقود الأغلبية الحكومية، يمنح الحدث بعدًا يتجاوز البعد التقني الخالص. غير أن قراءة هذا الحضور ينبغي أن تظل في إطار التحليل السياسي الرصين:
الرياضة فضاء عمومي يتقاطع فيه الاجتماعي بالاقتصادي والسياسي. وعودة شخصيات سياسية عبر هذا الفضاء يمكن فهمها إما بوصفها استمرارًا لعلاقة قديمة بالرياضة، أو باعتبارها تعبيرًا عن اهتمام بالشأن العمومي من زاوية مختلفة.
أي تأويل أبعد من ذلك يظل في دائرة الاحتمال، ولا يمكن الجزم به دون معطيات موضوعية.
بين القانون والتنزيل
أكثر من عقد مرّ على اعتماد القانون 30.09، ومع ذلك ما تزال أسئلة التنزيل مطروحة.
هل تم استكمال الإطار التنظيمي؟
هل تم تقييم أثر القانون على بنية الجامعات؟
وهل تم إرساء آليات مراقبة مالية وإدارية فعالة؟
الإشكال لا يكمن في النصوص بقدر ما يكمن في التنفيذ. فالإصلاح الرياضي، كغيره من الإصلاحات، يقاس بمدى قدرته على التحول من إعلان مبادئ إلى نتائج قابلة للقياس.
الخلاصة: سؤال النموذج قبل سؤال الأسماء
اليوم الدراسي حول كرة السلة ليس حدثًا معزولًا، بل مرآة تعكس تحديًا أعمق يواجه الرياضة المغربية: الحاجة إلى نموذج تدبير مؤسساتي قائم على الكفاءة، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يتمحور حول الأشخاص، بل حول:
-
معايير التعيين.
-
آليات التقييم.
-
وضوح الرؤية الاستراتيجية.
-
وتكافؤ الفرص بين مختلف الرياضات.


