حين تتحوّل التأشيرة إلى رسالة سياسية قراءة في ما وراء 25 فيزا لجماهير الجيش الملكي قبل مواجهة شبيبة القبائل

0
131

لم يعد ملف تأشيرات جماهير الجيش الملكي، الراغبة في مرافقة فريقها إلى الجزائر لمواجهة شبيبة القبائل، مجرد إجراء قنصلي أو تفصيل تنظيمي يسبق مباراة في دوري أبطال إفريقيا. ما يجري اليوم يتجاوز المنطق الرياضي، ويدخل في منطقة رمادية تختلط فيها السياسة بالأمن بالذاكرة المتوترة بين بلدين لم تعد بينهما قنوات طبيعية لتصريف الأزمات.

فأن يُغلق باب التأشيرات في وجه مئات المشجعين المغاربة، بعد مسار إداري طويل ومتعب، دون أي تعليل رسمي، ثم يُفتح بشكل استثنائي أمام 25 أو 26 شخصاً فقط، فذلك لا يُقرأ باعتباره قراراً تقنياً بريئاً، بل باعتباره إشارة سياسية مشفّرة أكثر منه إجراءً قنصلياً عادياً.

اللافت هنا ليس فقط الرفض، بل طريقة الرفض: صمت تام، غياب أي توضيح، لا من الخارجية الجزائرية ولا من قنصلياتها. هذا الصمت، في العلاقات المتوترة، لا يكون حيادياً. إنه يترك فراغاً تملؤه المخاوف والتأويلات، خصوصاً في منطقة اعتادت أن تتحول فيها كرة القدم إلى امتداد رمزي للصراع السياسي.

من أحداث “الكان” إلى تأشيرات اليوم: الذاكرة التي لم تُغلق

لا يمكن عزل هذا القرار عن ما وقع في نهائيات كأس إفريقيا التي احتضنها المغرب، حين تورّط بعض المشجعين الجزائريين في أعمال شغب أدت إلى تدخل أمني واعتقالات، عولجت قضائياً وفق القانون المغربي.

رسمياً، انتهى الملف. لكن في السياسة، الملفات لا تُغلق دائماً بقرارات القضاء، بل تبقى مفتوحة في الذاكرة السيادية.

في الجزائر، تحوّلت تلك الأحداث، خصوصاً عبر الإعلام ومنصات التواصل، إلى سردية مظلومية، وإلى مادة تعبئة سياسية. واليوم، يبدو أن كرة القدم تُستدعى من جديد كحقل رمزي لـ«الرد غير المعلن».

هنا بالضبط يصبح سؤال التأشيرة أكثر من مجرد سؤال سفر:
هل هو إجراء أمني؟
أم رسالة ضغط؟
أم ورقة في ميزان سياسي أوسع؟

غياب الجواب الرسمي يجعل كل هذه الاحتمالات مفتوحة.

لماذا 25 فقط؟ منطق “الاستثناء المريب”

لو كانت الجزائر تريد المنع، لكانت منعت الجميع. ولو كانت تريد الانفتاح، لكانت فتحت الباب بشروط واضحة.

لكن ما حدث هو اختيار طريق ثالث: السماح لعدد رمزي صغير جداً. وهذا ما جعل كثيراً من الجماهير المغربية لا ترى في ذلك بادرة حسن نية، بل وضع مجموعة محددة في واجهة المخاطر.

داخل الأوساط الجماهيرية المغربية، وخاصة بين أنصار الجيش الملكي، لا يُنظر إلى هؤلاء الـ25 كـ “محظوظين”، بل كـ “مكشوفين”.
مكشوفين في سياق إقليمي مشحون، بلا سفارة مغربية، بلا علاقات دبلوماسية، بلا قنوات حماية طبيعية.

وهنا ظهرت، لأول مرة بهذا الوضوح، تحذيرات صريحة داخل الفضاء الجماهيري من أن هؤلاء قد يتحولون – عن قصد أو عن غير قصد – إلى أوراق ضغط أو رهائن سياسية ناعمة.

من الخوف الأمني إلى هاجس “المساومة”

في هذا السياق تحديداً، لم تعد المخاوف محصورة في احتمال الشغب أو الاحتكاك في المدرجات، بل تطورت إلى مستوى أخطر: ماذا لو تم توقيف مشجعين مغاربة داخل الجزائر، في سياق يُستثمر سياسياً، للمساومة على ملفات سابقة، وعلى رأسها معتقلو أحداث “الكان”؟

لا أحد يقدّم هذا السيناريو كحقيقة، لكنه يُتداول كـ هاجس عقلاني في غياب الثقة، وغياب الضمانات، وغياب أي إطار دبلوماسي يحمي الأفراد.

في العلاقات الطبيعية، الجماهير تسافر وهي مطمئنة إلى وجود سفارات، قنوات اتصال، خطوط ساخنة.
أما في الحالة المغربية – الجزائرية، فالمشجع يسافر إلى فراغ سيادي:
لا سفارة، لا حماية قنصلية، لا آلية تدخل.

وهذا ما يجعل فكرة “التنقل من أجل 90 دقيقة” تبدو، عند كثيرين، مغامرة غير محسوبة.

إجماع جماهيري نادر: حين تسبق السلامة الانتماء

اللافت أن الدعوات إلى عدم سفر الحاصلين على التأشيرة لم تصدر فقط من أنصار الجيش الملكي، بل من جماهير الرجاء والوداد أيضاً.
وهذا في حد ذاته مؤشر قوي:
عندما تتفق جماهير متنافسة تقليدياً، فذلك يعني أن القلق تجاوز حدود التعصب الرياضي.

هنا ظهر شكل جديد من الوطنية الجماهيرية:
ليس عبر التشجيع في المدرجات، بل عبر حماية الأفراد من الوقوع في سيناريو قد يُستغل ضدهم وضد بلدهم.

كرة القدم كمرآة للأزمة

ما يحدث اليوم حول مباراة الجيش الملكي وشبيبة القبائل يكشف حقيقة أعمق: في شمال إفريقيا، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة. إنها مرآة مكبرة لأزمة سياسية لم تجد بعد طريقها إلى الحل.

التأشيرات، الجماهير، المدرجات، كلها تحوّلت إلى امتدادات رمزية لصراع لم تختره هذه الجماهير، لكنها تُدفع ثمنه.

وبين 25 تأشيرة وصمت قنصلي ثقيل، وبين مخاوف الاستهداف وذاكرة “الكان”، تقف جماهير الجيش الملكي أمام معادلة قاسية: هل تساند فريقها من المدرجات؟ أم تحمي نفسها من أن تصبح، مرة أخرى، وقوداً في نزاع لا علاقة لكرة القدم به؟

في هذا التوتر بالضبط، تختفي الكرة، ويظهر التاريخ.