حين تتحوّل رسالة محمد أوزين إلى مرآة لقلق الدولة

0
142

قراءة تحليلية في رسالة محمد أوزين إلى رئيس الحكومة

في المغرب اليوم، لا تُقرأ بعض النصوص السياسية كما كُتبت، بل كما فُرض أن تُفهم.
رسالة محمد أوزين، النائب البرلماني والأمين العام لحزب الحركة الشعبية، الموجّهة إلى رئيس الحكومة، ليست مجرد مراسلة احتجاجية خارج القنوات الدستورية، بل وثيقة سياسية – ثقافية، تحمل في طياتها أكثر مما تقوله عباراتها المباشرة.

نحن هنا لا نعيد نشر الرسالة، ولا نتبناها، بل نحللها:
لماذا كُتبت؟
ولماذا الآن؟
وماذا تقول بين السطور أكثر مما تصرّح به؟

من الشكل إلى الدلالة: لماذا رسالة مفتوحة؟

أول ما يلفت في نص أوزين ليس مضمونه، بل شكله. رسالة مفتوحة إلى رئيس الحكومة، يكتبها نائب أمة، خارج البرلمان، هي في حد ذاتها إعلان عن انسداد قنوات النقاش المؤسساتي.

أوزين لا يبرّر هذا الاختيار عبثًا، بل يضعه في سياق سياسي واضح: غياب رئيس الحكومة عن المؤسسة التشريعية لأشهر، غياب الأجوبة عن الأسئلة الكتابية، ورفض عقد دورة استثنائية.

هنا تتحول الرسالة من “خيار” إلى ضرورة سياسية، ومن فعل فردي إلى شهادة على فراغ مؤسساتي.

الحدث ليس مهرجانًا… بل ما وراءه

في ظاهر النص، يبدو أن الشرارة هي مهرجان “البولفار” وما رافقه من عنف وفوضى. لكن القراءة المتأنية تكشف أن المهرجان ليس سوى عرض جانبي لموضوع أعمق: علاقة الدولة بالكلمة، وبالثقافة، وبالشباب.

أوزين لا يهاجم الفن، ولا المهرجانات في حد ذاتها، بل يضع إصبعه على ما يعتبره تطبيعًا رسميًا مع العنف اللفظي والانحطاط القيمي، حين تتحول أموال عمومية إلى وقود لخطاب يمس الحياء العام ويشرعن الإسفاف باسم الإبداع.

من العنف الرمزي إلى العنف المادي

أخطر ما في تحليل أوزين هو هذا الانتقال الذي يرسمه بوضوح:حين يُطبع مع العنف اللفظي، لا يجب أن نستغرب تحوّله إلى عنف جسدي.

ما وقع في ملعب الراسينغ، كما يقرأه أوزين، ليس انفلاتًا عرضيًا، بل نتيجة منطقية لمسار ثقافي مختل، حيث تتحول المنصة إلى مصدر قدوة، والكلمة إلى ترخيص ضمني للسلوك العدواني.

هنا يصبح “الفنان” ضحية خطابه قبل أن يكون فاعلًا فيه، وتصبح الدولة شريكة بالصمت أو بالدعم غير المحسوب.

التوقيت كسياسة: سؤال المدرسة والشارع

في نص أوزين، يبرز عنصر غالبًا ما يُهمل في النقاش العمومي: التوقيت. مهرجانات تُقام مع الدخول المدرسي، في لحظة يُفترض أن تكون موجهة للتركيز، والانضباط، وبناء الأفق التربوي.

السؤال الذي يطرحه النص، ضمنيًا، ليس أخلاقيًا فقط، بل سياساتي: كيف تطالب الدولة أبناءها بالاجتهاد، ثم تنافس المدرسة بالمنصة؟ وكيف تدعو إلى ترشيد السلوك، ثم تموّل رموزه المضادة؟

الميزانية ككاشف للاختيارات

حين ينتقل أوزين للحديث عن الماء، الحليب، الغلاء، والدخول المدرسي، فهو لا يشتت الموضوع، بل يعيد ترتيب الأولويات.

الرسالة هنا واضحة: الميزانية ليست أرقامًا، بل قيمًا.

في بلد يعاني فيه المواطن من ضغط المعيشة، يصبح الإنفاق على مهرجانات مثيرة للجدل سؤالًا سياسيًا وأخلاقيًا في آن واحد، لا يمكن تغليفه بشعار “التنشيط” أو “الأجواء الصيفية”.

الدولة بين الموقع والواقع

أقوى ما في نص أوزين ليس الهجوم، بل التحذير.
تحذير من خلط “رجال المواقع” بـ”رجال الواقع”، ومن وهم القوة العددية، ومن الاعتقاد بأن الصمت يساوي الرضا.

الرسالة، في عمقها، ليست موجهة فقط لرئيس الحكومة، بل لفكرة الحكم نفسها:
هل نريد دولة تدير المعنى، أم دولة تكتفي بإدارة الضجيج؟

خلاصة القراءة

رسالة محمد أوزين ليست حدثًا معزولًا، بل عرضًا لأزمة أعمق:
أزمة أولويات،
أزمة تواصل،
وأزمة تصور للدور الثقافي للدولة.

وإذا كان النص ينتهي بعبارة “يتبع”، فذلك لأن الأسئلة التي يفتحها لا تزال بلا أجوبة.
وفي السياسة، حين تطول الأسئلة أكثر من اللازم، يبدأ التاريخ في كتابة الجواب بطريقته الخاصة.