حين تتوقّف العدالة عن التنفّس: المحامون في مواجهة قانون يُهدّد استقلال المهنة

0
178

لم يعد التوقّف الشامل عن العمل، الذي يخوضه المحامون بالمغرب، مجرّد حركة احتجاجية ظرفية مرتبطة بنص تشريعي عابر، بل تحوّل إلى لحظة اختبار حقيقية للعلاقة بين الدولة ومهنة تُعدّ من أعمدة منظومة العدالة. لحظة تختلط فيها المطالب المهنية بأسئلة أعمق تتعلّق بطبيعة الإصلاح، وحدود السلطة التشريعية، ومعنى استقلال الدفاع في دولة يُفترض أنها دستورية.

جمعية هيئات المحامين، التي قرّرت مواصلة برنامجها النضالي، لا تقدّم نفسها كطرف نقابي يسعى إلى تحسين شروط عمله فقط، بل كفاعل مؤسساتي يعتبر أن ما يجري اليوم يمسّ جوهر المهنة ودورها الدستوري في حماية الحقوق والحريات. لذلك جاء بلاغ مكتب الجمعية، الصادر عقب اجتماعه بالرباط، محمّلاً بنبرة تتجاوز لغة المطالب إلى خطاب تحذيري من اختلال التوازن داخل منظومة العدالة.

الاجتماع، الذي خُصّص لتقييم مستجدات الملف، لم يكن مجرّد محطة تنظيمية داخلية، بل مناسبة لقراءة المشهد السياسي والمؤسساتي المحيط بالقضية. فالجمعية استعرضت حصيلة اتصالاتها مع مؤسسات دستورية وأحزاب سياسية ووسائل إعلام، محاولة أن تضع ملف المحاماة في قلب النقاش العمومي، لا في هامشه التقني الضيّق. غير أن الخلاصة التي خرج بها المكتب بدت قاتمة: وعود حكومية بفتح الحوار، دون أي ترجمة عملية على أرض الواقع.

نجاح خطوة التوقّف الشامل عن العمل، كما يصفه البلاغ، لا يُقرأ فقط من زاوية الانضباط المهني، بل كرسالة سياسية واضحة مفادها أن الجسم المهني ما يزال يمتلك قدرة التعبئة والضغط. وهو نجاح يحمل في طيّاته مفارقة لافتة: مهنة تُدافع عن حق التقاضي تضطر، في لحظة ما، إلى تعليق حضورها داخل المحاكم لتدافع عن شروط وجودها نفسها.

جوهر الخلاف يتمركز حول مشروع قانون المحاماة، وبشكل أدق حول المادتين 23 و66، اللتين تعتبرهما الجمعية مدخلًا لإعادة صياغة علاقة المحامي بالمؤسسة القضائية بطريقة تمسّ استقلاله التنظيمي والوظيفي. لذلك جاء الموقف صارمًا: رفض مطلق للصيغة الحالية، ومطلب واضح بسحب المشروع وإعادة فتح النقاش وفق منهجية تشاركية حقيقية، لا تُحوّل الحوار إلى إجراء شكلي أو تمرير تقني لنص جاهز.

في خطاب الجمعية، الإصلاح ليس قضية تقنية تتعلّق بتبسيط المساطر أو تحديث النصوص، بل مسألة سياسية وقانونية في آن واحد. إصلاح يُفترض أن ينسجم مع المبادئ الدستورية، ومع فكرة أن الدفاع ليس وظيفة ملحقة بالقضاء، بل سلطة مستقلة تساهم في تحقيق التوازن داخل العدالة، وتحمي المواطن من تغوّل السلطة، أيًّا كان شكلها.

من هنا، تحرص الجمعية على نفي منطق “المصلحة الفئوية”، وتعيد تأطير احتجاجها باعتباره دفاعًا عن المصلحة العامة. فحين يُضعف المحامي، يُضعف المتقاضي. وحين تُمسّ استقلالية الدفاع، يصبح الحق في المحاكمة العادلة مهدّدًا، حتى لو ظلّت القوانين ترفع هذا الشعار نظريًا.

التصعيد لم يتوقّف عند حدود البلاغات. استمرار التوقف عن العمل، مقاطعة الجلسات، الامتناع عن أداء الرسوم القضائية، ثم الإعلان عن ندوة صحفية وطنية ووقفة احتجاجية مركزية، كلها مؤشرات على أن الملف دخل مرحلة استنزاف مفتوحة، عنوانها الرئيسي: من يملك شرعية تعريف الإصلاح داخل منظومة العدالة؟ السلطة التنفيذية أم الفاعلون المهنيون أم الدستور نفسه؟

الرسالة الموجّهة إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية تضيف بُعدًا آخر للمشهد: فالجمعية، وهي تحتج، تحاول في الوقت نفسه أن تحمي المتقاضين من الآثار الجانبية للاحتجاج. وكأنها تقول إن المعركة ليست ضد القضاء، بل من أجل عدالة لا تُختزل في نصوص قانونية تُصاغ من فوق، دون إشراك من يشتغلون يوميًا داخلها.

في العمق، ما يجري اليوم ليس صراعًا حول مادة قانونية أو امتياز مهني، بل مواجهة رمزية حول معنى العدالة في المغرب: هل هي منظومة مغلقة تُدار بمنطق السلطة الإدارية؟ أم فضاء مفتوح للتوازن بين سلطات مستقلة، يكون فيها المحامي شريكًا لا تابعًا، وفاعلًا لا منفّذًا؟

هنا بالضبط تتجاوز قضية المحامين حدودها القطاعية، لتتحوّل إلى مرآة تعكس مأزق الإصلاح في زمن يُرفع فيه شعار الحوار، بينما تُتخذ القرارات الكبرى خارج منطق التشاركية الفعلية. أزمة ليست في قانون المحاماة وحده، بل في طريقة إنتاج القوانين نفسها، وفي السؤال الأقدم: هل نُصلح المؤسسات لتخدم المجتمع، أم نُكيّف المجتمع ليقبل بما تُقرّره المؤسسات؟