حين تصبح الدقائق القليلة سؤالاً وجودياً: قراءة تحليلية في فيلم “3 دقايق” لسعيد بن الثقة

0
250

لا يكتفي فيلم “3 دقايق”، أحدث أعمال المخرج سعيد بن الثقة، بأن يكون إضافة جديدة إلى رصيد الكوميديا المغربية، بل يحاول – بوعي فني واضح – أن ينقل هذا اللون السينمائي من خانة الإضحاك السريع إلى مساحة أعمق، حيث تتحول الضحكة إلى مدخل للتأمل، والسخرية إلى أداة لطرح أسئلة وجودية مرتبطة بالاختيار والمصير والندم.

ابتداءً من 17 دجنبر، يدخل الفيلم القاعات السينمائية المغربية بعد عرض ما قبل أول احتضنته سينما ميكاراما بالدار البيضاء، بحضور طاقمه الفني وعدد من الوجوه الإعلامية والثقافية. غير أن أهمية هذا العمل لا تكمن فقط في موعد عرضه أو في زخمه الترويجي، بل في الرهان الذي يحمله على مستوى الفكرة والمعالجة.

كوميديا الفكرة… لا الموقف

ينطلق الفيلم من فرضية بسيطة في ظاهرها، لكنها شديدة التعقيد في عمقها: عثمان، موزّع بسيط من حي شعبي، يعثر صدفة على جهاز يتيح له العودة ثلاث دقائق إلى الوراء. ثلاث دقائق فقط، لكنها كافية لقلب موازين الحياة، وإعادة ترتيب الأحداث، ومحاولة تصحيح الأخطاء.
هنا، لا يعتمد الفيلم على كوميديا المواقف التقليدية بقدر ما يستثمر في كوميديا الفكرة، حيث يتحول “التطبيق العجيب” إلى مرآة تعكس هشاشة الإنسان أمام قراراته، ورغبته الدائمة في التراجع عن اختيارات اتخذها تحت ضغط اللحظة.

من الضحك إلى المساءلة

ما يميز “3 دقايق” هو أنه لا يمنح بطله – ولا المشاهد – وهم السيطرة الكاملة. فمع توالي الأحداث، تتكشف حقيقة أساسية: ليست كل الأخطاء قابلة للتصحيح، ولا كل الأقدار تسمح بإعادة الكتابة.

بهذا المعنى، يتحول الفيلم إلى مساءلة ضمنية لفكرة “الفرصة الثانية” التي أصبحت هاجساً إنسانياً في زمن السرعة والضغط، ويطرح سؤالاً مؤرقاً: هل المشكلة في قصر الوقت… أم في طبيعة اختياراتنا؟

الدارجة كلغة واقع

اختيار الدارجة المغربية كلغة أساسية، مع ترجمة فرنسية، ليس تفصيلاً تقنياً، بل موقف فني يعكس رغبة العمل في ملامسة اليومي، والاقتراب من نبض الشارع، دون ادعاء أو تكلّف. فالشخصيات تتحرك داخل فضاء اجتماعي مألوف، حيث البساطة لا تعني السطحية، والضحك لا يلغي الألم.

أداء جماعي يخدم الرؤية

يعتمد الفيلم على كوكبة من الأسماء المعروفة، من بينها سعيد بن الثقة، طارق البخاري، صويلح، زهور السليماني، نريمان سداد، سارة فارس، مهدي تكيتو، يونس بنزاكور، زهيرة صديق وغيرهم.
لكن اللافت أن الحضور الجماعي لا يطغى على الرؤية الإخراجية، بل يخدمها، في توازن واضح بين الأداء والطرح، وبين الإيقاع الكوميدي والبُعد الدرامي.

أكثر من عرض… بداية نقاش

يشكّل عرض ما قبل الأول محطة رمزية للاحتفاء بالفيلم، لكنه في الوقت ذاته يفتح باب النقاش حول تحولات الكوميديا المغربية، وقدرتها على تجديد نفسها، والانتقال من الترفيه الخالص إلى السينما التي تفكر وتُسائل، دون أن تفقد اتصالها بالجمهور.

في النهاية، يبدو “3 دقايق” كأنه يقول بهدوء: لسنا دائماً بحاجة إلى سنوات لتغيير مصائرنا… أحياناً، تكفي ثلاث دقائق فقط لنكتشف أننا لا نستطيع تغيير كل شيء.