حين يتحول الأمن إلى قوة ناعمة: ماذا تمثّل زيارة حموشي للرياض فعلاً؟

0
53

ليست زيارة المدير العام للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني المغربي، عبد اللطيف حموشي، إلى الرياض حدثاً بروتوكولياً عابراً في روزنامة العلاقات الثنائية، بل تمثل لحظة سياسية وأمنية كثيفة الدلالات، تعكس تحوّلاً نوعياً في تموقع المغرب داخل خريطة الأمن الإقليمي والدولي.

فالرياض لم توجه الدعوة لحموشي بصفته مسؤولاً تقنياً فقط، بل باعتباره حاملاً لنموذج أمني مكتمل، راكم شرعية ميدانية واستخباراتية جعلت منه فاعلاً مرجعياً في ملفات باتت تمسّ الأمن العالمي مباشرة: الإرهاب العابر للحدود، الشبكات المتطرفة، الجريمة المنظمة، الأمن السيبراني، وتمويل الإرهاب عبر الاقتصاد الرقمي.

من التعاون إلى “الاعتراف الاستراتيجي”

الظاهر في الزيارة هو تعزيز التعاون الأمني المغربي – السعودي، لكن المضمر أعمق:
السعودية، وهي تدخل مرحلة جديدة من الانفتاح العالمي (رؤية 2030، تنظيم تظاهرات كبرى، كأس العالم 2034، استقطاب استثمارات ضخمة)، تدرك أن الأمن لم يعد مسألة داخلية، بل شرط وجودي لنجاح مشروعها السياسي والاقتصادي.

وفي هذا السياق، لا تبحث الرياض فقط عن تكنولوجيا غربية، بل عن خبرة ميدانية حقيقية تم اختبارها في ظروف معقدة. والمغرب، بقيادة حموشي، يقدّم نموذجاً فريداً يجمع بين:

  • النجاعة الاستخباراتية الصامتة

  • القدرة على الاختراق الاستباقي للشبكات المتطرفة

  • التنسيق الدولي دون فقدان السيادة

  • والتوازن بين الأمن الصلب و”الأمن الاجتماعي”

المغرب: من متلقٍ أمني إلى مُصدّر نموذج

المفارقة التاريخية هنا أن المغرب، الذي كان يُنظر إليه لعقود كبلد “مستهلك للأمن”، أصبح اليوم مُصدّراً للخبرة الأمنية.
زيارة حموشي للرياض تؤكد أن الرباط لم تعد فقط شريكاً، بل مرجعية في مجالات حساسة مثل:

  • الاستعلام الرقمي ورصد التهديدات السيبرانية

  • تتبع تمويل الإرهاب عبر العملات الرقمية

  • الشرطة العلمية والتقنية

  • إدارة الحشود وتأمين الفعاليات الكبرى

  • حماية الشخصيات والمنشآت الاستراتيجية

وهي مجالات تمثل اليوم جوهر الأمن الجديد، وليس مجرد الهياكل الكلاسيكية.

ما الذي تريده السعودية فعلياً من المغرب؟

بعيداً عن الخطاب الرسمي، يمكن قراءة الزيارة كرسالة ضمنية مفادها أن السعودية تسعى إلى:

  1. نقل تجربة جاهزة بدل بناء منظومات من الصفر.

  2. الاستفادة من نموذج أمني عربي – إسلامي ناجح، وليس فقط غربي.

  3. خلق شراكات تشغيلية حقيقية (غرف عمليات، تدريب مشترك، تبادل نماذج عمل).

  4. التحضير الأمني العميق لمرحلة “الانكشاف العالمي” الذي ستعرفه المملكة.

من الأمن الوطني إلى الأمن الجيوسياسي

الأخطر والأهم في هذه الزيارة هو أنها تؤسس لما يمكن تسميته بـ:

محور أمني جديد في المنطقة
محور لا يقوم على التحالفات العسكرية التقليدية، بل على تبادل المعرفة الاستخباراتية، والقدرة على إدارة المخاطر المركّبة.

فالأمن هنا لم يعد مجرد رد فعل، بل أداة تموقع جيوسياسي:

  • المغرب يعزّز صورته كقوة استقرار إقليمية.

  • السعودية تبني درعها الأمني قبل دخول مرحلة الواجهة العالمية.

  • والمنطقة ككل تعيد تشكيل مفهومها للأمن خارج منطق السلاح وحده.

الخلاصة: زيارة تحمل أكثر مما تقول

زيارة عبداللطيف حموشي للرياض ليست خبراً أمنياً، بل حدثاً سيادياً بامتياز. هي إعلان غير مباشر أن المغرب لم يعد فقط بلداً “يُحارب الإرهاب”، بل أصبح بلداً يُنتج الأمن كنموذج قابل للتصدير.

وفي عالم يتحول فيه الأمن إلى رأس مال استراتيجي، تبدو هذه الزيارة بمثابة شهادة دولية جديدة على أن الرباط باتت لاعباً صامتاً لكن مركزياً في معادلات الاستقرار الإقليمي، وأن اسم حموشي لم يعد مجرد مسؤول إداري، بل علامة ثقة أمنية تتجاوز الجغرافيا المغربية إلى المجال العربي والدولي.