المغرب ونيجيريا: نصف نهائي في الشكل… نهائي في المعنى
لم تكن مواجهة المنتخب المغربي ونظيره النيجيري في نصف نهائي كأس أمم إفريقيا مجرد محطة عابرة في مسار البطولة، بل بدت، في عمقها، مباراة تختزل صراعًا إفريقيًا ثقيل الوزن، بين منتخبين يعرف كل واحد منهما الآخر جيدًا، تاريخيًا وتكتيكيًا ونفسيًا.
وليد الركراكي، وهو يخرج من المباراة التي انتهت بركلات الترجيح، لم يتعامل مع التأهل بوصفه إنجازًا تقنيًا فحسب، بل قدّمه باعتباره عبورًا من اختبار صعب، أقرب إلى مباراة نهائية مكتملة الشروط. توصيفه لم يكن مجاملة دبلوماسية للمنافس، بقدر ما كان اعترافًا بميزان القوى الحقيقي داخل الملعب.
مباراة التفاصيل الصغيرة
على امتداد 120 دقيقة، بدا واضحًا أن المباراة تُلعب في المساحات الضيقة، لا في الأهداف. منتخب نيجيريا أغلق الممرات، ضغط ذهنيًا، وفرض نسقًا عاليًا، فيما حاول “أسود الأطلس” تفكيك هذا الجدار بالصبر، والتحكم في الإيقاع، وتدوير الحلول دون المجازفة بفقدان التوازن.
الفرص التي سنحت للمغرب – من تسديدة دياز إلى كرة حكيمي الثابتة – لم تكن كثيرة، لكنها كانت كاشفة: المنتخب كان حاضرًا ذهنيًا، يصنع، يضغط، لكنه يصطدم بحارس نيجيري متألق وتنظيم دفاعي منضبط. في المقابل، لم يكن المنتخب النيجيري أقل خطورة، بل مارس ضغطًا مستمرًا جعل المباراة تُدار على حافة الأعصاب.
هنا تحديدًا، تُفهم عبارة الركراكي: “مثل هذه المباريات تُحسم بالتفاصيل”. التفاصيل لم تكن هجومية فقط، بل نفسية، وبدنية، ومرتبطة بقدرة اللاعبين على الصمود حتى آخر ركلة.
بونو… حين يصبح الحارس عامل حسم
في لحظة ركلات الترجيح، انتقلت المباراة من منطق الجماعة إلى اختبار الفرد داخل الجماعة. ياسين بونو لم يكن مجرد منفذ لدوره التقليدي، بل تحول إلى عنصر حاسم في صناعة التأهل، مجسدًا تلك القاعدة غير المكتوبة في البطولات الكبرى: الألقاب تُبنى أحيانًا من القفازات لا من الأقدام.
تصديه لركلتي جزاء لم يكن وليد الحظ، بل نتيجة تراكم خبرة، وهدوء، وقراءة نفسية للمنافس. في هذا المستوى من المنافسة، يصبح الحارس جزءًا من الخطاب التكتيكي، لا مجرد تفصيل تقني.
إشادة الركراكي… قراءة في ما لم يُقل
إشادة الناخب الوطني بنيجيريا، واعتبارها أقوى منتخب واجهه المغرب في هذه النسخة، لا يمكن فصلها عن رسائل أعمق. فهي من جهة اعتراف بقيمة المنافس، ومن جهة أخرى تهيئة ذهنية للنهائي: الطريق لم يكن سهلًا، وما هو قادم لن يكون أقل تعقيدًا.
الخطاب هنا لا يهدف إلى التخفيف من الضغط، بل إلى إعادة توزيعه. الركراكي يدرك أن النهائي لا يُلعب فقط بالأقدام، بل بإدارة التعب، والتحكم في التوقعات، وحماية اللاعبين من ثقل “الواجب الوطني” المفرط.
النهائي أمام السنغال: امتحان البدن والعقل
الحديث عن الإرهاق البدني قبل مواجهة السنغال ليس تفصيلاً عابرًا. في بطولات بهذا النسق، يصبح التدبير البدني امتدادًا مباشرًا للتكتيك. السنغال تصل إلى النهائي بأقل استنزاف نسبيًا، فيما يخوض المغرب مباراة إضافية من 120 دقيقة، وهو معطى لا يمكن تجاهله.
ومع ذلك، فإن عامل الأرض والجمهور، والتراكم الذهني الإيجابي بعد تجاوز نيجيريا، يمنح “أسود الأطلس” رصيدًا معنويًا مهمًا. النهائي، هنا، ليس مجرد فرصة للتتويج الثاني منذ 1976، بل لحظة لاختبار قدرة هذا الجيل على تحويل الطموح الشعبي إلى لقب، دون الوقوع في فخ الاستعجال أو الضغط المفرط.
خلاصة مفتوحة
تأهل المغرب إلى نهائي كأس أمم إفريقيا لم يكن وليد الصدفة، ولا نتيجة مباراة واحدة، بل ثمرة مسار قائم على الواقعية، والهدوء، وإدارة اللحظات الصعبة. مباراة نيجيريا كشفت حدود المنتخب كما أبرزت نقاط قوته، ووضعت الجهاز الفني أمام مرآة حقيقية قبل الموعد الأخير.
النهائي أمام السنغال لن يكون مباراة للثأر أو الاستعراض، بل اختبارًا لنضج مشروع كروي يريد أن يكتب التاريخ دون ضجيج… وبكثير من العقل.