بقلم/ محمد أوزين – قراءة تحليلية
يضع الأمين العام لحزب الحركة الشعبية محمد أوزين، في مقاله الأخير، واقعة الجدل الذي أثارته بعض المنابر الرقمية ضمن إطار أوسع يتجاوز مناقشة محتوى أو انتقاد مسؤول سياسي، ليصل إلى سؤال جوهري: متى يتحوّل النقد إلى أداة لتصفية الحسابات؟ ومَن يملك شرعية التحدث باسم الرأي العام؟
المقال، وإن جاء بأسلوب هجومي مباشرة، يفتح الباب أمام قراءة تحليلية تكشف عمق أزمة انتشار منصات تتقمّص أدوارًا إعلامية من دون رصيد مهني أو التزام أخلاقي، وتستبدل النقاش العمومي الرصين بخطابات الإثارة والابتزاز.
1. أزمة “المنابر البديلة”: حين يصبح الانتحال بوابة للشرعية
يشير أوزين إلى ظاهرة مواقع تحمل أسماء توحي بأنها ناطقة باسم مؤسسات رسمية، في محاولة لاكتساب سلطة رمزية لم تنلها من المهنية أو المصداقية.
هذه الإشارة ليست مجرد اتهام، بل تعكس قلقًا سياسيًا أعمق: توسع دائرة الفاعلين غير المهنيين في المجال الإعلامي، واحتلالهم مساحات مؤثرة في توجيه الرأي العام دون محاسبة أو مسؤولية.
هنا يصبح السؤال: هل نعيش فراغًا تنظيميًا يتيح لمثل هذه الأصوات التحرك خارج قواعد اللعبة الإعلامية؟
أم أن الأزمة أعمق، مرتبطة بثقافة رقمية جديدة تدفع بعض “المؤثرين” للبحث عن شرعية سهلة عبر الهجوم بدل التحليل؟
2. من النقد إلى الحقد: انزلاق الخطاب من مساءلة المؤسسات إلى تصفية الماضي
يتّهم أوزين هذه الأطراف بخلط النقد بالحقد، وباستحضار خلافات شخصية قديمة لإعادة إنتاجها في الفضاء الرقمي.
هنا تظهر ثنائية الماضي/الحاضر التي يعتمدها الكاتب:
-
الماضي كشاهد على “الإخفاقات”،
-
والحاضر كمرحلة جديدة لم يعد فيها هذا النوع من السلوك مقبولًا.
القراءة السياسية للنص تجعلنا أمام سؤال مهم: هل ما زال الإرث الشخصي، بعلاقاته وتراكماته، يتحكم في جزء من الخطاب الإعلامي؟ وهل تتحول النزاعات الشخصية إلى سرديات “سياسية” تُسَوَّق للجمهور باعتبارها معارك مبدئية؟
3. صناعة المحتوى الرديء: حين يصبح الهجوم رأسمالاً
يصف الكاتب إحدى الوجوه الإعلامية بـ”طبقة” باعتبارها مكبر صوت لهذا الخطاب، وينتقد ما يعتبره تطاولًا على اختيارات “سامية” تخصّ مؤسسات الدولة العليا.
ورغم حدّة تعبير الكاتب، فإن القراءة التحليلية تكشف أنه يوجه نقدًا إلى ظاهرة أوسع: تطبيع الرداءة في الفضاء الرقمي، وتحويل “الرأي” إلى أداة لخلق الإثارة، حتى حين يتعلق الأمر بملفات سيادية لا تُناقش إلا بقدر كبير من المسؤولية.
إنها لحظة نقف فيها أمام سؤال بنيوي: هل أصبح الخلط بين حرية التعبير والتهجم على المؤسسات ظاهرة مقلقة؟ وما حدود الاختلاف المشروع؟ وأين يبدأ المساس بالمؤسسات؟
4. ملتمس العفو.. بين القراءة الوطنية والقراءات المغرضة
جزء مهم من المقال يخصّ الجدل حول ملتمس العفو الذي وجهه حزب الحركة الشعبية للملك محمد السادس بخصوص شباب الريف وشباب آخرين.
يؤكد أوزين أن هذا الملتمس نابع من رؤية وطنية لا علاقة لها بالمزايدات أو التوظيف السياسي. ويرى أن مهاجمة هذه الخطوة يعكس رغبة بعض الأطراف في تغذية التوترات بدل المساهمة في بناء مناخ المصالحة.
تحليل هذا المقطع يكشف أمرين:
-
الحركة الشعبية تريد تقديم نفسها صوتًا للتهدئة وإعادة اللحمة الوطنية.
-
خصوم الحزب يستثمرون في تعميق الشرخ الاجتماعي عبر قراءات سطحية أو متعمدة للملف.
وهنا نطرح سؤالًا أعمق: هل تحوّلت ملفات المصالحة والعفو إلى ساحة لتقاطع الحسابات السياسية وبعض المصالح الإعلامية الضيقة؟
5. الحضور السياسي للحركة الشعبية: قراءة في خطاب الثقة
في ختام مقاله، يربط أوزين الهجوم على الحزب بعودته القوية إلى المشهد السياسي وبحضوره داخل البرلمان.
إنها لغة تعكس ثقة واضحة بالنفس، لكنها تقول شيئًا آخر: الحزب يعتبر نفسه مستهدفًا لأنه يطرح ملفات تزعج البعض، ولأنه يرفض “التطبيع” مع الرداءة والابتزاز الإعلامي.
القراءة التحليلية هنا تُظهر أن أوزين لا يدافع عن نفسه فقط، بل عن منطق سياسي يرى أن التوازن الديمقراطي يحتاج إلى مؤسسات حزبية قوية، وإلى إعلام جاد يراقب، لا إعلام يبحث في الماضي لإعادة إنتاج الفوضى.
خلاصة: بين حرية التعبير ومسؤولية الكلمة
إن ما يقدمه أوزين في هذا المقال ليس مجرد رد على أشخاص، بل محاولة لوضع الحد الفاصل بين:
-
النقد كأداة إصلاح
-
و”الحقد” كأداة هدم وتشويش


