خطاب الخبراء أم هروب من المساءلة؟ قراءة في استراتيجية بركة لتأطير أزمة الفيضانات

0
93
صورة: و.م.ع

في الأسبوع الذي تشهد فيه أودية وشعاب بالمغرب فيضانات غير معتادة، ورغم الفرح بوفرة المياه، خرج نزار بركة، وزير التجهيز والماء، بخطاب يمزج بين البيانات التقنية والرسائل السياسية المحسوبة. هذه التصريحات ليست مجرد أرقام تُقرأ، بل مفتاح لفهم أربعة جوانب مترابطة في الأزمة والفرصة التي يمرّ بها المغرب اليوم.

في قلب “الخبرة” وليس السياسة

قال بركة في الندوة الأسبوعية لحكومة عبد اللطيف وهبي إن وزارته “كانت حاضرة بقوة خلال الكوارث الفيضانية التي شهدتها عدة مناطق، فيما قام جميع المسؤولين بالتواصل وتقديم العديد من المعطيات”؛ وأضاف أن “المرحلة كانت تتطلب حضور الخبراء في الواجهة، وفي الوقت نفسه تفادي أي تأويل أو تقييم سياسي للخطاب، لأن الهدف هو تقديم معلومة موضوعية لا تسمح بالشد والجذب”. هذه دعوة واضحة لتفادي التجاذبات الحزبية، وإبعاد المناقشة عن منطق “اتهام المسؤولين” أو “التقليل من جهود الحكومة” خلال أزمة مناخية معقدة.

الطلب الذي يطرحه الوزير هنا ليس نظرياً فقط، بل يحمل في طيّاته رسالة سياسية: عندما يعبر السكان عن غضبهم أو خيبة أملهم في التواصل الرسمي خلال الأزمة، فإن ما هو مطلوب ليس هتافات أو اتهامات، بل إحاطة علمية دقيقة ترد على كل سؤال ببيانات واضحة.

أرقام في مأزق المناخ أم في مأزق الإدارة؟

من سبتمبر الماضي حتى اليوم، قال الوزير إن معدل التساقطات المطرية بلغ 150 مليمترًا، أي بزيادة 35% مقارنة بالمعدل السنوي منذ التسعينيات، ومقدار التساقطات هذه يضاعف ما سجّل في العام الماضي ثلاث مرات، وهو فائض “تجاوز المعدل الطبيعي”. وعلى رغم تلك الأرقام التي تبدو مشجعة على الورق، فإن صورة الواقع أكبر وأكثر تعقيداً:

  1. وفرة الماء ارتبطت بفيضانات: ليس فقط زيادة في التساقطات أو ذوبان الثلوج، بل فيضانات أدّت إلى إجلاء عشرات الآلاف في شمال البلاد، وعمليات إطلاق مياه من سدود فاقت سعتها، مما يطرح سؤالاً محورياً: هل نحن أمام إدارة ناجعة للأزمة أم أمام ردود فعل للحظ المناخي؟

  2. بيانات السدود تحكي واقعين متناقضين: الوزير يشير إلى أن معدل ملء السدود وصل إلى 69.4%، مع تخزين 11.6 مليار متر مكعب على المستوى الوطني، وأن بعض الأحواض تجاوزت 90% (مثل اللوكوس والسبو وأبي رقراق) بينما بقي الآخر أقل من 33% (درعة واد نون). لكن هذه الأرقام، رغم ارتفاعها الكبير مقارنة بتقارير العام الماضي التي تحدثت عن مستويات أقل بكثير، تحمل أيضاً مفارقة: كانت السدود في سنوات قليلة مضت في مستويات حرجة جداً من الندرة، وبعضها لم تتجاوز نسبة الملء 30% تقريباً.

الأرقام اليوم أفضل، لكنها لا تثبت أن الخطر قد زال بالكامل؛ فهي تعكس قدرة النظام المائي على استيعاب وضع استثنائي (أمطار كثيفة) أكثر من عكس قدرة حكومية قوية على إدارة الموارد بشكل متوازن ومستدام.

الخبراء والمعلومة الموضوعية: واقعية أم تهدئة؟

عندما يقول بركة إن المرحلة تطلبت خطاب الخبراء بدل السياسة، فإن ذلك يمكن قراءته بطريقتين:

  • من جهة، هناك حاجة فعلية إلى معلومات دقيقة في مواجهة مفاهيم خاطئة أو مبالغات تنتشر في المنصات الرقمية. في محيط مناخي متقلب ومتطرف، لا عائد للتحليل السطحي مقابل الواقع المعقد.

  • من جهة أخرى، قد يكون هذا الخطاب رسالة طمأنة للمواطن الذي تأثر بالفيضانات، وتخفيفاً من مناخ انتقادي يطالب بتحمّل المسؤولية على تراجع خدمات البنية التحتية أو ضعف الاستشعار المبكر في بعض المناطق.

في هذا الإطار، تتلاقى بيانات الوزير مع تقارير رسمية أخرى تفيد بأن المغرب تجاوز سبع سنوات من الجفاف بعد هذه التساقطات، وأنه رفع مستويات المخزون المائي بشكل غير مسبوق في السنوات الأخيرة.

النتيجة المتاحة للقارئ

يمكن القول إن تصريحات بركة صحيحة من الناحية التقنية: الأرقام والإحصاءات التي قدمها متوافقة مع ما تنشره مصادر إعلامية وبيانات رسمية أخرى حول تساقطات أعلى من الموسم السابق وارتفاع مستويات الملء، وارتفاع واردات السدود بشكل لافت عن موسمين كاملين سابقين. لكن الحقيقة المعمّقة تكمن في أن هذه الوفرة المائية جاءت في سياق فيضانات تسبب ضرراً في بعض المناطق، وأن التحديات لا تزال قائمة في بعض الأحواض وقطاعات الزراعة والري، وكذلك في الإدارة المتوازنة للمياه في ظل تغير مناخي واضح.

قصة الماء اليوم في المغرب لم تعد مجرد بيانات، بل اختبار لإدارة الموارد واليقظة المؤسسية أمام تقلبات مناخية غير مسبوقة، ورسالة إلى الرأي العام بأن الأرقام وحدها لا تروي القصة، بل كيف تُقاس وتُدار هي التي تُحدث الفرق.