خطاب مصقول، رسالة مضمرة: استمرار أخنوش في ظل شوكي

0
84

لم تكن حلقة “مع الرمضاني” ليوم الأربعاء 11 فبراير 2026 مجرد أول خروج إعلامي لرئيس جديد لحزب التجمع الوطني للأحرار، بقدر ما كانت لحظة اعتراف سياسي جماعي، خرج فيها الوريث التنظيمي لعزيز أخنوش ليقول كل ما ظل يقال همساً داخل الكواليس: الحزب لم يغيّر جلده، بل غيّر واجهته فقط.

منذ الدقائق الأولى، بدا محمد شوكي وكأنه لا يتحدث بلسانه، بل بلسان سلفه. نفس المفردات، نفس العناوين، نفس القاموس: الحكامة، التنظيم، القرب من المواطن، الإنصات، تحرير الطاقات، الدينامية، الاستمرارية. خطاب مصقول بعناية، لكنه خالٍ من أي قطيعة حقيقية مع المرحلة السابقة. وكأن الرسالة المركزية التي أراد الحزب تمريرها عبر هذه الحلقة بسيطة وواضحة: عزيز أخنوش غادر المنصب، لكنه لم يغادر الحزب ولا المشروع ولا العقل الذي يديره.

“الرمضاني، في مقاربته المهنية المثيرة للجدل،”حاول منذ البداية تفكيك هذه الرواية الناعمة. سأل السؤال الذي يطرحه الجميع في الشارع السياسي: لماذا يغادر أخنوش فجأة؟ لماذا مؤتمر استثنائي؟ لماذا مرشح وحيد؟ ولماذا كل هذا “الهدوء” غير الطبيعي في لحظة يفترض أن تكون سياسية بامتياز؟
لكن شوكي كان جاهزاً بالإجابة الجاهزة: احترام النظام الداخلي، احترام التداول، درس في الديمقراطية الداخلية، انتقال سلس وهادئ.

غير أن ما قاله شوكي، بقدر ما بدا دفاعاً عن أخنوش، كان في العمق إقراراً صريحاً بأن القرار لم يكن عفوياً ولا عادياً. الرجل لم ينفِ وجود دهشة داخل الحزب، ولم ينفِ حجم التأويلات، ولم ينفِ أن رواية “الاحترام المؤسساتي” لم تقنع حتى كثيراً من المراقبين. لكنه اختار الطريق الأسهل: تحويل الانسحاب إلى “درس أخلاقي”، بدل مناقشته كقرار سياسي ثقيل الدلالة.

الأكثر دلالة في الحلقة لم يكن ما قيل، بل ما لم يُقل. لم يقدم شوكي أي تفسير حقيقي للسياق الوطني الذي دفع أخنوش إلى التراجع خطوة إلى الخلف:
لا حديث عن تآكل صورة الحزب في الشارع.
لا حديث عن الاحتقان الاجتماعي.
لا حديث عن فشل الوعود الكبرى.
ولا حديث عن تكلفة ربط المال بالسياسة في مرحلة حساسة.

كل ما قُدم هو رواية مثالية عن حزب ناضج، قرر طوعاً أن يجدد دمه في قمة الهرم، وكأننا أمام ديمقراطية اسكندنافية لا أمام حزب يقود الحكومة في واحدة من أكثر الفترات توتراً اجتماعياً واقتصادياً.

أما مسألة “المرشح الوحيد”، التي فجّرت جدلاً واسعاً خارج الحزب، فقد حاول شوكي تطويقها بمنطق التوافق. قال إن الباب كان مفتوحاً، وإن قيادات وازنة كانت تفكر في الترشح، وإنها في النهاية اقتنعت به. لكن هذا التبرير، بدل أن يحسم النقاش، زاد من تعقيده: إذا كان الجميع مقتنعاً بشوكي، فلماذا كل هذا الخوف من المنافسة؟ وإذا كانت الديمقراطية الداخلية راسخة فعلاً، فلماذا لم نرَ سوى اسم واحد في لحظة انتقال تاريخية؟

في العمق، بدا شوكي وكأنه رئيس بالتفويض أكثر منه رئيساً بالاختيار. تفويض من أخنوش، تفويض من القيادة القديمة، تفويض من نفس الشبكات التي صنعت الحزب خلال العقد الأخير. لذلك لم يكن غريباً أن يؤكد بنفسه، حرفياً، أنه سيستمر في نفس “الفكر والطريقة”، وأنه مقتنع بأسلوب أخنوش في التدبير والحكامة والتواصل.

هنا بالضبط تظهر لحظة الاعتراف الكبرى:
الحزب لا يدخل مرحلة جديدة، بل يدخل مرحلة استمرارية تحت اسم جديد.
الوجوه قد تتغير، لكن المنطق واحد.
الخطاب قد يُنعّم، لكن البنية نفسها.
والسلطة التنظيمية ما زالت في نفس المدار.

حتى عندما تحدث شوكي عن الشباب، وعن الإبداع، وعن فهم “إيوتوبيا الجيل الجديد”، بدا وكأنه يعترف ضمنياً بأن الحزب متأخر عن مجتمعه، يحاول اللحاق بلغة العصر دون أن يغيّر فعلياً أدواته أو بنيته العميقة.

أما السؤال الأكثر حساسية، وهو العلاقة بين رئاسة الحزب ورئاسة الحكومة، فقد حسمه شوكي بعبارة واحدة: “لا يوجد ربط ميكانيكي”. لكنها عبارة تخفي أكثر مما تكشف. لأن الجميع يعرف أن أخنوش، حتى بعد تخليه عن القيادة الحزبية، يظل مركز الثقل الحقيقي في المعادلة: مالياً، سياسياً، تنظيمياً، ورمزياً.

في النهاية، خرجت الحلقة بنتيجة واحدة لا لبس فيها: محمد شوكي ليس قطيعة مع أخنوش، بل امتداد له بلغة أقل صدامية وملامح أكثر شباباً. والتجمع الوطني للأحرار لا يعيش انتقالاً ديمقراطياً بقدر ما يعيش إعادة ترتيب داخل نفس العائلة السياسية، حفاظاً على الاستقرار الداخلي، وتفادياً لأي اهتزاز قد ينعكس على الحكومة نفسها.

ما قاله شوكي في “مع الرمضاني” لم يكن برنامجاً سياسياً بقدر ما كان بيان طمأنة:
طمأنة للمناضلين أن لا شيء سيتغير.
طمأنة للقيادة القديمة أن نفوذها محفوظ.
وطمأنة للرأي العام أن الحزب ما زال متماسكاً، حتى وإن تغيرت الصورة في الواجهة.

لكن خلف هذه الطمأنة، يظل السؤال معلقاً: هل يكفي تغيير الاسم في أعلى الهرم لإقناع مجتمع يطالب بتغيير السياسات لا الوجوه؟ وهل يستطيع “أخنوش بصيغة شوكي” أن يواجه نفس الأعطاب بأدوات نفس المرحلة؟

حلقة واحدة كانت كافية ليقول الوريث كل شيء… دون أن يقول الشيء الوحيد الذي ينتظره المغاربة فعلاً: ماذا سيتغير في حياتهم، لا في هرم الحزب فقط؟