“داخل إسرائيل: الغضب الشعبي يشتعل مع تصاعد صواريخ إيران وحزب الله”

0
104

لم تعد الحرب، في سياقها الراهن، مجرد تبادل للنيران على حدود مشتعلة، بل تحوّلت إلى اختبار داخلي عميق لصلابة المجتمع الإسرائيلي وحدود تحمّله. فمع تزايد وتيرة الضربات الصاروخية القادمة من إيران وتكثيف العمليات من قبل حزب الله، بدأت الجبهة الداخلية في إسرائيل تكشف عن تصدعات نفسية وسياسية لم تعد قابلة للاحتواء ضمن الخطاب الرسمي أو التغطيات الأمنية المعتادة.

في القدس، كما في مدن الجنوب والشمال، يتنامى شعور ثقيل بأن الحرب خرجت عن نطاق السيطرة المحسوبة. لم تعد صفارات الإنذار مجرد إجراء احترازي، بل تحوّلت إلى إيقاع يومي يختبر أعصاب السكان، ويعيد تشكيل علاقتهم بالدولة التي لطالما قدّمت نفسها كضامن للأمن. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل تغذّيه مشاهد الدمار المتكررة، وسقوط الصواريخ في عمق المدن، بما فيها مناطق كانت تُعتبر حتى وقت قريب خارج دائرة الاستهداف المباشر.

حادثة عراد شكّلت لحظة كاشفة في هذا السياق. لم يكن الهجوم الصاروخي، الذي خلّف قتلى وعشرات الجرحى ودمارًا واسعًا، هو الحدث الوحيد اللافت، بل ما تلاه من انفجار غضب شعبي في وجه إيتمار بن غفير خلال زيارته للموقع. الصرخة التي وُجّهت إليه لم تكن مجرد انفعال فردي، بل تعبير مكثف عن تحوّل في المزاج العام، حيث بدأ الغضب يتجاوز دوائر المعارضة التقليدية ليصل إلى المتضررين مباشرة، أولئك الذين يدفعون كلفة الحرب يوميًا من أمنهم واستقرارهم.

هذا الغضب يتغذى أيضًا من تآكل صورة التفوق الدفاعي. فالهجمات التي طالت مدنًا مثل ديمونا، بما تحمله من رمزية استراتيجية، عززت شعورًا متزايدًا بأن منظومات الحماية لم تعد توفر الغطاء الكامل كما كان يُروَّج. ومع تكرار الاختراقات، يتعمق الإحساس بأن الداخل لم يعد محصنًا، وأن الحرب لم تعد تُدار على حدود بعيدة بل داخل المجال الحيوي للمجتمع نفسه.

في موازاة ذلك، يفرض الضغط العسكري المزدوج—من الجنوب عبر الصواريخ الإيرانية، ومن الشمال عبر عمليات حزب الله—واقعًا جديدًا يثقل كاهل المؤسسة الأمنية. هذا التداخل بين الجبهات لا يرهق القدرات الدفاعية فحسب، بل يخلق حالة إنهاك نفسي واجتماعي، تتجلى في النزوح من بعض المناطق، وتعطل الحياة اليومية، وتراجع الإحساس بالأمان، وهو ما ينعكس بدوره على الخطاب السياسي الداخلي.

اقتصاديًا، بدأت كلفة الحرب تفرض نفسها كعامل ضاغط لا يقل خطورة عن التهديدات العسكرية. فالأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والممتلكات، إلى جانب النفقات العسكرية المتصاعدة، تفتح نقاشًا متزايدًا حول جدوى هذا المسار التصعيدي، خاصة في ظل غياب أفق واضح لنهاية قريبة. ومع اتساع رقعة المواجهة لتشمل إيران بشكل مباشر، لم تعد الحرب مجرد مواجهة مع أطراف غير دولية، بل تحوّلت إلى صراع إقليمي متعدد المستويات، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع رهانات السياسة الدولية.

في هذا المشهد المركب، تبدو إسرائيل أمام معادلة معقدة: استمرار التصعيد يحمل كلفة متزايدة على الداخل، فيما التراجع يطرح أسئلة صعبة حول الردع والهيبة. وبين هذين الخيارين، يتشكل واقع جديد عنوانه الأبرز أن الجبهة الداخلية لم تعد مجرد خلفية للحرب، بل أصبحت ساحة مركزية فيها، حيث تُقاس ليس فقط نتائج المعارك، بل أيضًا قدرة الدولة على الحفاظ على تماسكها في مواجهة اختبار طويل ومفتوح على احتمالات أكثر تعقيدًا.