دافوس كما يراها الصحافي: البقاري من قلب الحدث

0
88

في عالم الصحافة، قليلون هم من يستطيعون نقل الجوّ النفسي والسياسي لمكان ما دون الوقوع في فخ البيانات الرسمية أو التكرار البارد للأحداث.

هنا يبرز دور الزميل الصحافي محمد البقالي، مراسل الجزيرة في باريس، وصانع برامج تكوين صحفي رفيع المستوى، الذي في تغريدة له عبر صفحته الرسمية على فيسبوك (رابط التغريدة)، قدم لمحة تكشف ما وراء أضواء منتدى دافوس، حيث تتحرك القوة والمال والقرار العالمي.

ما يميز تغريدة البقالي أنها لا تقدم أرقاماً ولا بيانات، بل تُعيد القارئ إلى قلب المشهد: المدينة الثلجية البراقة ليست مجرد موقع للاقتصاد والسياسة، بل مسرح لإعادة توزيع النفوذ بصمت، حيث يُدار العالم في صالونات لا يعرفها الجمهور، وبأوراق اعتماد تُقدّم للكبراء فقط.

ومن هذه الزاوية، تصبح التغريدة أكثر من مجرد تعليق صحافي: إنها مدخل لفهم الظاهرة، مفتاح لتفكيك ما يُعرض وما يُخفى في دافوس، قبل أن نغوص في سرد وتحليل التفاصيل التي يكتشفها من يتجول بين الطاولات والقاعات، ويشهد الصفقات، الكلمات، ولغة الإشارة التي لا تراها العيون العادية.

البياض القاتل: دافوس خلف الأضواء

ليس هذا البياض الذي يغطي دافوس بريئاً.
الثلج هنا لا يرمز إلى النقاء، بل إلى مهارة المدن الثرية في إخفاء آثار الخطيئة.
كل شيء يبدو نظيفاً، لامعاً، محايداً… بينما تُدار في الداخل أكثر صفقات العالم قذارة.

دافوس لا تشبه المدن التي تجاهر برذائلها. هي مدينة تمارسها بهدوء، بربطة عنق، وبابتسامة دبلوماسية.

في كل عام، يأتي إلى هنا أصحاب المال والقرار، مهندسو الحروب، وصنّاع الأزمات، ومن خلفهم طوابير من الخبراء والمستشارين، ليُعاد ترتيب العالم كما تُرتّب محفظة استثمار.ويُدعى بعض الفقراء أيضاً… لا لأن لهم رأياً، بل لأن المشهد يحتاج إلى توازن بصري وأخلاقي. ديكور ضروري.

في الصالون الرئيسي أحتسي قهوتي.
على الطاولة المقابلة يجلس ريشي سوناك، رئيس وزراء بريطانيا السابق.
لا أحد يكترث لوجوده.
أتذكر مواقفه الباهتة أيام المجزرة في غزة.
أفكر: في السياسة، مثل الطقس، كل شيء يمر… لكن ليس كل شيء يُغفر.

بعد دقائق يمرّ رفاييل غروسي، رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
في كواليس الدبلوماسية يقال إنه يطمح إلى أمانة الأمم المتحدة.
ودافوس، لمن يعرف، ليست منتدى اقتصادياً فقط؛
إنها قاعة امتحان للشرعية، وسوق مفتوح لتقديم أوراق الاعتماد للقوى الكبرى.

فجأة يصبح السؤال مشروعاً: هل يمكن قراءة تقارير الوكالة الذرية بعد الآن بعيداً عن هذه الطموحات؟

أغادر القاعة.
أنا، مثل كثيرين هنا، أنتظر وصول ترامب.

يلتحق بي هاشم.
منذ عشرين عاماً ونحن نلتقي في أماكن لم نخطط لها:
من الخرطوم إلى طرابلس،
ومن باريس إلى بروكسل… وصولاً إلى دافوس.
نتحدث عن السياسة، عن الصحافة، عن كيف تأكل هذه المهنة أبناءها ببطء، بلا ضجيج.

تصلنا صورة من عبد الصمد، من الضفة الأخرى من الرباط.
طاجين أعدّه بنفسه.
يبدو شهياً إلى حد الإهانة أمام هذا البذخ البارد.
نضحك. نتصل به.
ثم، فجأة، يمرّ رئيس وزراء دولة عربية منكوبة.
نتبادل نظرة واحدة فقط.
الطبخة هناك… لم تنضج بعد.

يُقال إن ترامب وصل.

يظهر كما يظهر دائماً:
استعراض، قبضة مرفوعة، جملة محسوبة لإثارة العناوين.
يتحدث عن الصفقات. عن أوروبا. عن قوته.
وعن غرينلاند، قطعة الجليد التي قرر أن يضعها في جيبه.

بعد أن يبتعد، يهمس صحافي خلفي بالإنجليزية:
“تبّاً لك”.
قالها بصوت خافت، لكن قلبي تسارع.
ماذا لو سمعها ترامب؟
كنت سأكون المتهم المثالي: عربي وسط بحر من الأشقر.

لكنها تمرّ بسلام.
ويمضي ترامب ليواصل هوايته المفضلة: إهانة الأوروبيين.

ماكرون، في المقابل، يخطب كأنه ثائر أممي: يتحدث عن عودة الإمبراطوريات، عن عالم بلا قواعد، عن استعمار جديد.
لا يذكر ترامب بالاسم.
يعرف أن ذكره خطيئة سياسية.

إيلون ماسك يسخر من الجميع.
يسخر حتى من مجلس السلام الذي يروّج له ترامب، ويسميه مجلس “القطعة” لا “السلام”.
تلاعب لغوي يلخص كل شيء:
Peace تحوّلت إلى Piece.

قطعة من هذا العالم.
قطعة من غرينلاند.
وقريباً… ربما قطعة من مكان آخر.

أقف وسط كل هذا، وأشعر أنني في مسرح ضخم،
أضواؤه باهرة،
لكن نصّه رديء.

وأتساءل:
ما لي ولهؤلاء؟

أنا القادم من هامش الهامش،
أرى كيف يُصنع هذا العالم المزيّف،
وكيف يتحوّل، بقوة السلاح والمال، إلى “حقيقة”.

ودافوس…
مثل كثير من الأشياء في هذا العالم:
من بعيد… أجمل.