دبلوماسية تحت الاختبار: هل صححت الجزائر موقفها أم أعادت صياغته فقط؟

0
93

في لحظة إقليمية تتسم بحدة الاستقطاب وسرعة التموضع، وجدت الجزائر نفسها مضطرة إلى إعادة ضبط إيقاع خطابها الدبلوماسي، بعد أن أثار بيانها الأول بشأن التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط موجة انتقادات عربية اعتُبرت غير مسبوقة في حدتها. فبينما سارعت عواصم خليجية وعربية إلى إعلان تضامن واضح مع الدول التي تعرضت لضربات عسكرية نُسبت إلى إيران، اختارت الجزائر في البداية لغة حذرة اكتفت بالتعبير عن “القلق” والدعوة إلى “ضبط النفس”.

غير أن هذا الحذر لم يصمد طويلاً أمام ضغط التفاعلات السياسية والإعلامية، إذ أعلنت وزارة الخارجية الجزائرية، بتوجيه من الرئيس عبد المجيد تبون، أن وزير الخارجية أحمد عطاف استقبل سفراء الدول العربية التي تعرضت لـ”اعتداءات عسكرية”، معبّراً عن تضامن الجزائر ورفضها المساس بسيادة تلك الدول ووحدتها الترابية.

من “القلق” إلى “التضامن”: تعديل في النبرة أم في الموقف؟

التحول من بيان عام إلى تحرك دبلوماسي مباشر يطرح سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام مراجعة فعلية للموقف، أم مجرد تعديل في الصياغة لامتصاص الانتقادات؟

البلاغ الثاني حمل، ظاهرياً، لغة أكثر وضوحاً من سابقه، لكنه في العمق حافظ على عنصر جوهري من الغموض: تجنب تسمية الجهة المسؤولة عن الهجمات. فعدم الإشارة الصريحة إلى إيران، رغم تداول الاتهامات لها في الإعلام الإقليمي والدولي، يعكس حرصاً واضحاً على إبقاء هامش المناورة مفتوحاً، وتفادي الاصطفاف العلني في معادلة إقليمية معقدة.

هذا التوازن الدقيق بين التضامن اللفظي مع دول عربية، وعدم توجيه اتهام مباشر لطهران، يوحي بأن الجزائر لا ترغب في خسارة أي من طرفي المعادلة: لا شركاءها العرب في الخليج، ولا شريكاً إقليمياً تربطها به علاقات سياسية ممتدة.

بين الحسابات الإقليمية والرهانات الدولية

القراءة الأوسع لهذا الموقف لا تنفصل عن السياق الدولي الضاغط. فالعلاقات الجزائرية – الإيرانية شهدت خلال السنوات الماضية تقارباً سياسياً في ملفات متعددة، في مقابل توتر مزمن مع بعض العواصم الغربية. غير أن التحولات المتسارعة في المشهد الدولي، وتبدل موازين القوى، تضع صناع القرار في الجزائر أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن الحفاظ على شبكة علاقات متنوعة دون الاصطدام بالإدارة الأمريكية أو الوقوع تحت طائلة حسابات جيوسياسية جديدة؟

في هذا الإطار، يبدو أن الخطاب الجزائري يسعى إلى تبني ما يمكن تسميته بـ”الحياد الحذر”: لا انحياز صريح، ولا قطيعة معلنة، بل تموضع لغوي يتيح قراءة مزدوجة للموقف. غير أن هذا الخيار، وإن كان يمنح مرونة تكتيكية، يعرّض في الوقت ذاته السياسة الخارجية لانتقادات تتهمها بالغموض أو التردد.

ارتباك أم براغماتية؟

السؤال الذي يفرض نفسه: هل ما حدث يعكس ارتباكاً في صناعة القرار، أم براغماتية محسوبة؟

من زاوية أولى، يمكن اعتبار البلاغ الثاني محاولة لتدارك أثر البيان الأول الذي بدا أقل من مستوى اللحظة السياسية، خاصة في ظل تضامن عربي واسع مع الدول المتضررة. ومن زاوية أخرى، يمكن قراءة الموقف باعتباره تعبيراً عن عقيدة دبلوماسية تقليدية لدى الجزائر تقوم على رفض التدخلات العسكرية والدعوة إلى الحوار، مع تجنب الانخراط في محاور إقليمية صلبة.

غير أن الإشكال لا يكمن فقط في مضمون الموقف، بل في توقيته وصياغته. ففي أزمات كبرى، تصبح اللغة ذاتها موقفاً، ويغدو الغموض رسالة بحد ذاته. وعندما تختار دولة ما عدم تسمية الفاعل، فإنها ترسل إشارات متباينة إلى مختلف العواصم المعنية.

بين الداخل والخارج

لا يمكن فصل هذا التموضع عن البعد الداخلي أيضاً. فالرأي العام الجزائري يتابع بقلق تطورات المنطقة، في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية قائمة. ومن ثمّ، فإن أي اصطفاف حاد قد يُقرأ داخلياً باعتباره انحيازاً مكلفاً أو مجازفة غير محسوبة.

في المحصلة، تبدو الجزائر اليوم أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة توازناتها الإقليمية في مرحلة تتسم بانكماش هامش الحياد وتزايد الضغوط للاستقطاب. وبين لغة التضامن غير المسماة، وحرصها على إبقاء “شعرة معاوية” مع مختلف الأطراف، يبقى السؤال مفتوحاً: إلى أي مدى يمكن لهذا التوازن أن يصمد إذا ما تصاعدت الأزمة وتحولت إلى مواجهة أوسع؟

إن ما جرى لا يعكس فقط تطوراً في بيان دبلوماسي، بل يكشف عن لحظة مفصلية تعيد طرح سؤال موقع الجزائر في خريطة التحالفات الإقليمية، وحدود قدرتها على المناورة في زمن الاستقطاب الحاد.