ديستانكت… حين تعبر الأغنية المغربية الحدود بلا ترجمة

0
93

ليس إعلان الفنان المغربي ديستانكت عن إصداره الغنائي الجديد «تعال» مجرد خبر فني عابر، بل محطة دالّة في مسار فنان اختار منذ البداية أن يجعل من الموسيقى جسراً بين الثقافات، لا منتجاً محلياً محصوراً في جغرافيا السمع الضيقة. «تعال» تأتي لتؤكد مرة أخرى أن المشروع الفني لديستانكت يتقدّم بخطى محسوبة، تجمع بين الوعي بالهوية والجرأة على كسر القوالب.

في هذا العمل الجديد، يوقّع ديستانكت على توليفة موسيقية هجينة، تمزج إيقاعات التشوبّي ذات الجذور العراقية مع الدانس هول العالمي، ضمن قالب بوب معاصر سهل التلقّي، دون أن يكون سطحيًا أو فاقدًا للعمق الثقافي. هنا لا نجد أغنية تبحث عن تصنيف، بل تجربة صوتية ترفض الانتماء الأحادي، وتصرّ على أن تكون ابنة التلاقح لا التقليد.




إطلاق الأغنية تزامن مع صدور فيديو كليب رسمي، في خطوة تعكس وعيًا بأهمية الصورة كامتداد للخطاب الموسيقي، لا كعنصر ترويجي فقط. الكليب عزّز البعد البصري والثقافي للأغنية، وكرّس فكرة المشروع المتكامل الذي يراهن عليه ديستانكت: موسيقى تُسمع وتُرى وتُتداول كحالة فنية واحدة.

تصريح ديستانكت حول رؤيته لا يأتي كجملة إنشائية، بل كمفتاح لفهم مساره:

«مهمتي هي جعل الموسيقى العربية عالمية… كما نستمتع بالموسيقى اللاتينية دون فهم لغتها، أطمح إلى أن يتفاعل العالم مع الموسيقى العربية بالطريقة نفسها».
وهو تصريح يكشف البعد المضمَر في «تعال»: الأغنية ليست موجهة فقط للأذن العربية، بل مصمَّمة لتكون مفهومة بالإحساس، بالإيقاع، وبالطاقة، قبل الكلمات.

من حيث الإنتاج، حافظ ديستانكت على تعاونه مع YAM وUnleaded، وهما اسمان رسّخا حضورهما كمنتجين قادرين على صناعة أعمال تتجاوز السوق المحلي، وتخاطب منصات الاستماع العالمية بلغة احترافية، تجمع بين الجودة التقنية والذكاء الثقافي.

ومع مطلع 2026، يفرض ديستانكت نفسه كأحد أكثر الفنانين المغاربة تأثيرًا وانتشارًا، ليس فقط عبر الأرقام، بل من خلال قدرته على خلق موجات تفاعل حقيقية. المقطع الترويجي لأغنية «تعال» أشعل مواقع التواصل، حيث تم إنشاء أكثر من 10 آلاف فيديو على TikTok في أقل من أسبوع، فيما تجاوزت مشاهدات التيزر 7 ملايين مشاهدة مع أكثر من 400 ألف إعجاب، ما يعكس قوة الانتشار العضوي قبل الإصدار الرسمي.

هذا الزخم لا يأتي من فراغ، بل هو امتداد لنجاح أغنية «يما»، التي تحولت إلى ظاهرة رقمية عالمية: مليون فيديو على TikTok، أكثر من 27 مليون استماع على Spotify، ونحو 90 مليون مشاهدة على YouTube، مع تصدّرها Billboard Arabia Hot 100 لثمانية أسابيع متتالية. نجاح جعل الجمهور يتعامل مع «تعال» كأغنية ناجحة حتى قبل سماعها كاملة، في مؤشر نادر على الثقة الفنية التي بناها ديستانكت مع جمهوره.

الأهم في كل ذلك أن ديستانكت لا يشتغل بمنطق الاستنساخ. فبعد أن ساهم في إعادة تقديم أنماط مغربية تقليدية مثل الشعبي، الراي، وكناوة للعالم، يعود اليوم إلى التشوبّي ليس كموضة عابرة، بل كخيار فني واعٍ، يعيد قراءة هذا الإيقاع في سياق عالمي جديد.

«تعال» إذن ليست مجرد أغنية جديدة، بل فصل إضافي في مشروع فني مغربي يكتب نفسه خارج الحدود، ويقترح نموذجًا مختلفًا للفنان العربي: فنان يعرف من أين جاء، ويعرف جيدًا إلى أين يريد أن يصل.