ديمقراطية التزكيات أم هندسة النتائج؟ الوجه الخفي للانتخابات بالمغرب… من يملك “تذكرة العبور” إلى 2026؟

0
119

في صمتٍ مشوب بالحذر، تتحول كواليس الأحزاب السياسية المغربية إلى ورش مفتوح لإعادة ترتيب الأوراق، حيث لم يعد الحديث عن الانتخابات التشريعية لسنة 2026 مجرد استحقاق دوري، بل اختبار حقيقي لقدرة التنظيمات الحزبية على تجديد نخبها وإقناع رأي عام بات أكثر تطلباً وأقل تسامحاً مع منطق “الوجوه المعاد تدويرها”. داخل هذا السياق، يطفو ملف “التزكيات الأولية” كأحد أكثر الملفات حساسية، ليس فقط لأنه يحدد أسماء المرشحين، بل لأنه يكشف أيضاً عن طبيعة التوازنات الداخلية، ومراكز القوة، وحدود الديمقراطية الحزبية نفسها.

في هذا الإطار، يبدو أن حزب الأصالة والمعاصرة يسير بخطى محسوبة، حيث تؤكد معطيات من داخل قيادته أن “القيادة الثلاثية” تتجه بشكل جماعي نحو خوض غمار الانتخابات المقبلة، في إشارة تحمل أكثر من دلالة: أولها رغبة في الحفاظ على الحضور السياسي المباشر، وثانيها محاولة لتأمين موقع الحزب داخل الخريطة الحكومية التي تشكلت عقب انتخابات 2021. غير أن هذا الحسم في المبدأ لا يخفي استمرار الغموض بخصوص توزيع الدوائر الانتخابية، وهو تفصيل تقني ظاهرياً، لكنه في العمق يعكس رهانات النفوذ الترابي والتوازنات بين الأعيان والقيادات المركزية.

وبين الحسم الجزئي والتريث المدروس، يبرز سؤال ترشيح أعضاء الحكومة المنتمين للحزب، حيث تشير المعطيات إلى أن المشاركة لن تكون شاملة. هذا الانتقاء لا يبدو اعتباطياً، بل يشي بمحاولة لتفادي كلفة سياسية محتملة، خاصة في ظل تقييم حصيلة الأداء الحكومي، وما قد يرافقه من مساءلة انتخابية مباشرة. في المقابل، يظل “منطق الاستمرارية” حاضراً بقوة، من خلال التوجه نحو إعادة ترشيح الأسماء التي خاضت الاستحقاقات السابقة، بما يعكس رهاناً على الخبرة الانتخابية أكثر من المغامرة بضخ دماء جديدة بشكل واسع.

أما “الوافدون الجدد” داخل الحزب، فيظلون في منطقة رمادية، حيث لم يُحسم بعد في مدى إشراكهم في السباق الانتخابي، وهو ما يفتح الباب أمام قراءة أعمق: هل يتعلق الأمر بإعادة ترتيب الأولويات الداخلية، أم بانتظار ميزان القوى النهائي قبل توزيع “التزكيات”؟ هنا تحديداً تتجلى إحدى أبرز سمات المشهد الحزبي المغربي، حيث تتحول التزكية من مجرد إجراء تنظيمي إلى أداة لضبط الولاءات وبناء التحالفات داخل الحزب نفسه.

على مستوى زمني، تفرض روزنامة وزارة الداخلية إيقاعها على الجميع، بعد تحديد فترة إيداع الترشيحات ما بين 31 غشت و9 شتنبر 2026، وهو ما يمنح الأحزاب هامشاً زمنياً إضافياً للمناورة، لكنه في الآن ذاته يطيل من حالة الترقب التي يعيشها الرأي العام. هذا “التمديد غير المعلن” لزمن الحسم يعكس إدراكاً جماعياً لحساسية المرحلة، خاصة في ظل تحولات اجتماعية واقتصادية تضغط على الفاعل السياسي وتفرض عليه تقديم أجوبة أكثر وضوحاً.

في الضفة الأخرى، يختار حزب الاستقلال مقاربة مختلفة في الشكل، لكنها لا تخرج كثيراً عن منطق التحكم المركزي في القرار. فغياب لجنة خاصة بالترشيحات، كما يؤكد قياديون في الحزب، لا يعني غياب المؤسسات، بل يعكس ثقة في بنية تنظيمية متجذرة تاريخياً. غير أن هذا الطرح يعيد طرح سؤال جوهري حول حدود المؤسسية داخل الأحزاب: هل هي مؤسسات فعلية لتوزيع القرار، أم مجرد أطر استشارية تظل في نهاية المطاف خاضعة لسلطة الأمين العام؟

في هذا السياق، تبرز “لجنة الأخلاقيات” كفاعل صاعد داخل الحزب، تضم قيادات ذات ثقل تاريخي، وتضطلع بدور موازٍ في تأطير القرار، دون أن تلغيه. لكن حتى هذا التطور التنظيمي يظل محكوماً بمنطق مركزي واضح، حيث يبقى القرار النهائي بيد القيادة، وهو ما يعكس استمرارية نموذج حزبي تقليدي، يقوم على التوازن بين الرمزية المؤسساتية والقرار الفردي.

في المحصلة، لا يتعلق السباق نحو انتخابات 2026 فقط باختيار مرشحين، بل بإعادة رسم معالم العلاقة بين الأحزاب والمجتمع. فبين منطق الاستمرارية والحذر من التغيير، تتحرك التنظيمات السياسية داخل هامش ضيق، تحكمه حسابات الربح والخسارة، وتؤطره رهانات البقاء داخل السلطة أو العودة إليها. وهنا تحديداً، تتحول “التزكيات” من إجراء تقني إلى مرآة تعكس عمق التحولات التي يعرفها الحقل السياسي المغربي، بكل تناقضاته وأسئلته المؤجلة.