رباح والتدين المغربي: بين الازدحام في المساجد وغياب الأخلاق في المؤسسات

0
109

لا شك أن كل مغربي أصيل يشعر بالفخر وهو يرى مشاهد الإقبال الواسع على العبادات في المساجد والساحات العامة خلال شهر رمضان والأعياد الإسلامية. هذه الظاهرة ليست مقتصرة على المغرب فحسب، بل تمتد عبر مختلف الدول الإسلامية بل وحتى في الدول غير الإسلامية حيث تتزايد أعداد المسلمين الجدد وتنتشر المساجد بتبرعات سخية. لكن، هل يعكس هذا التدين الظاهري انعكاسًا حقيقيًا على سلوكيات الأفراد في معاملاتهم اليومية؟

الوجه المضيء: تماسك ديني واجتماعي

يُظهر المسلمون خلال هذه المناسبات الدينية وحدة نادرة، يتجلى فيها التراص والتضامن، وتُعزز فيها قيم العطاء والخير. تبرز المملكة المغربية كمثال فريد من نوعه، من خلال دورها في دعم حفظ القرآن الكريم، وبناء المساجد، وتكوين الأئمة، وترسيخ نموذج التدين المعتدل الذي يحظى بقبول عالمي.

هذه الصورة تعكس وجهًا مشرقًا للتدين وتوضح كيف يمكن أن يكون الدين عامل استقرار اجتماعي وثقافي.

المعضلة الكبرى: الفجوة بين العبادات والمعاملات

لكن في مقابل هذا المشهد، يثير عزيز رباح تساؤلًا جوهريًا: لماذا لا ينعكس هذا التدين القوي في العبادات على المعاملات اليومية؟ لماذا نشهد، رغم تمسك الأفراد بالصلاة والصيام والزكاة، سلوكيات مناقضة لقيم الإسلام، مثل الغش، والرشوة، وخيانة الأمانة، وظلم الضعفاء؟

هنا يبرز التناقض الصارخ: كيف يمكن لإنسان أن يكون متمسكًا بأداء الشعائر الدينية لكنه يمارس الفساد في مؤسسات الدولة، أو ينتهك حقوق الآخرين في المعاملات التجارية أو الإدارية؟ هذه الظاهرة لا تقتصر على الداخل، بل تمتد إلى الجاليات المسلمة في الخارج، حيث يشتكي البعض من غياب الانضباط والنظافة واحترام القانون بين بعض المهاجرين المسلمين.

تحليل البعد الاجتماعي والأخلاقي

إذا كان الإسلام يحث على الأخلاق والمعاملات الطيبة بنفس درجة الحث على العبادات، فلماذا هذه الفجوة؟ هل تعود إلى ضعف التوعية الدينية؟ أم إلى غياب القدوة الصالحة؟ أم أن هناك إشكالية في فهم التدين نفسه، حيث يتم التركيز على الشعائر دون الاعتناء بجوهر القيم الإسلامية؟

يرى رباح أن هذا الخلل يهدد صورة الإسلام عالميًا، إذ يربط بعض الغربيين بين المسلمين والفوضى وضعف الالتزام بالنظام، في حين أن الإسلام في جوهره دين انضباط ومسؤولية وأخلاق. هذه التناقضات تُضعف مسار التقدم، وتشوه صورة التدين، بل وتدفع البعض، حتى من داخل المجتمعات الإسلامية، إلى النفور من الدين باعتباره غير قادر على تحقيق العدالة الاجتماعية.

ما العمل؟ نحو تدين شامل ومتوازن

يشدد المقال على أن الحل يكمن في ترسيخ تكامل بين العبادات والمعاملات، بحيث لا يكون التدين مقتصرًا على الصلاة والصيام، بل يشمل أيضًا النزاهة في العمل، واحترام القانون، وحماية حقوق الآخرين. هذا يستوجب دورًا أكبر للعلماء والوعاظ والمثقفين والإعلاميين في نشر الوعي بضرورة تحقيق التوازن بين الإيمان والممارسة.

كما يجب تعزيز مفهوم المواطنة الصالحة التي تجعل المسلم عنصرًا إيجابيًا في مجتمعه، لا مجرد شخص يؤدي طقوسًا دون انعكاس حقيقي على سلوكه اليومي. فالتدين، في حقيقته، لا يقاس فقط بعدد الركعات التي يؤديها الإنسان، بل أيضًا بمدى التزامه بالقيم الإسلامية في حياته اليومية.

خاتمة: هل نحن أمام أزمة تدين أم أزمة وعي؟

مقال عزيز رباح يفتح الباب لنقاش أعمق: هل نعيش أزمة تدين أم أزمة وعي بمفهوم التدين؟ هل يمكن معالجة هذه الفجوة بتعديل الخطاب الديني، أم أن المسألة تحتاج إلى إصلاحات تربوية ومؤسساتية لتعزيز الأخلاق في المجتمع؟

التساؤل يبقى مفتوحًا، لكن المؤكد هو أن مستقبل المجتمعات الإسلامية يتوقف على مدى قدرتها على التوفيق بين مظاهر التدين وسلوكيات الأفراد، حتى يتحقق ذلك الانسجام الذي يجعل الإسلام قوة أخلاقية واجتماعية، وليس مجرد طقوسٍ تُمارس بمعزل عن جوهرها الحقيقي.