سيول الغرب واللوكوس تهز عرش الحوامض بالمغرب.. موسم مهدد وأسعار مرشحة للانفجار في رمضان
تدخل زراعة الحوامض في المغرب واحدة من أدق مراحلها في السنوات الأخيرة، في لحظة زمنية شديدة الحساسية اجتماعياً واقتصادياً، مع اقتراب شهر رمضان الذي يرتفع فيه الطلب على العصير والبرتقال والليمون بشكل لافت. فبين مطر يُفترض أن يكون “رحمة فلاحية”، وسيول تحولت إلى عامل تخريب واسع، يجد القطاع نفسه أمام مفارقة قاسية: وفرة مائية على الورق، وندرة إنتاجية في الواقع، مع خسائر ميدانية تهدد العرض والأسعار ومناصب الشغل في آن واحد.
الفيضانات التي ضربت سهول الغرب واللوكوس لم تكن مجرد حادث مناخي عابر، بل شكّلت صدمة بنيوية داخل منظومة الحوامض، حيث سُجل تساقط واسع للثمار، وتضرر مباشر للضيعات والمخازن، وفقدان جزء مهم من المعدات والمدخلات الفلاحية. وهي خسائر لا تقاس فقط بقيمتها المادية الفورية، بل بقدرتها على تعطيل ما تبقى من الموسم، وإرباك الدورة الطبيعية للإنتاج والجني والتوضيب والتصدير.
المنطقتان المتضررتان تمثلان تاريخياً القلب النابض لإنتاج الحوامض بالمغرب، وأي اختلال فيهما ينعكس تلقائياً على السوق الوطنية وعلى التوازنات التصديرية. فهذه المناطق لا تزود فقط الموانئ الأوروبية والروسية بالبرتقال المغربي، بل تؤمّن أيضاً الجزء الأكبر من العرض الداخلي، خاصة خلال رمضان. ومع تضرر جزء مهم من المحصول، يصبح السؤال مشروعاً: هل الأولوية للسوق الخارجية حفاظاً على العملة الصعبة؟ أم للسوق الداخلية حفاظاً على القدرة الشرائية والاستقرار الاجتماعي؟
المسكوت عنه في الخطاب الرسمي والمهني هو أن جزءاً كبيراً من الإنتاج الموجه عادة للتصدير سيظل أولوية لدى المنتجين الكبار، حتى في زمن الأزمة. وهو ما يعني عملياً أن السوق المغربية قد تواجه نقصاً حقيقياً في العرض، يترجم سريعاً إلى ارتفاع “صاروخي” للأسعار، خاصة في المدن الكبرى، في وقت يُفترض فيه أن يكون العصير مادة شبه يومية على موائد الإفطار.
الأخطر من الخسائر الظاهرة هو ما يسميه الخبراء بـ”الخطر الصامت”: ركود المياه داخل الضيعات لفترات طويلة، وتشبع التربة، واختناق جذور الأشجار. هذه الظاهرة لا تؤدي فقط إلى فقدان محصول الموسم، بل قد تتسبب في موت الأشجار نفسها، أي خسارة ممتدة لسنوات، واستثمار ضائع يحتاج إلى دورة زراعية كاملة لإعادة بنائه. بعض التقديرات الميدانية تتحدث عن تهديد محتمل لما يقارب ثلث المساحات المغروسة بالحوامض في المناطق الأكثر تضرراً.
اقتصادياً، يمثل قطاع الحوامض أحد أعمدة الفلاحة التصديرية بالمغرب، ويوفر عشرات آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، من العمال الزراعيين إلى سائقي الشاحنات، ومن محطات التلفيف إلى شركات اللوجستيك. أي تراجع في الإنتاج لا ينعكس فقط على دخل الفلاح، بل يضرب سلسلة كاملة من الأنشطة المرتبطة بالقطاع، ويخلق ضغطاً اجتماعياً في مناطق تعتمد شبه كلي على هذا النشاط.
اجتماعياً، تتقاطع الأزمة الفلاحية مع لحظة استهلاكية حساسة. فارتفاع الأسعار في رمضان لا يُقرأ فقط كمؤشر سوق، بل كعنصر توتر اجتماعي، يضرب بشكل مباشر القدرة الشرائية للطبقات الوسطى والفقيرة، ويعيد طرح سؤال العدالة الغذائية: كيف يعقل أن بلد يُصدر آلاف الأطنان من البرتقال يعجز مواطنوه عن اقتنائه بثمن معقول في شهر الصيام؟
سياسياً ومؤسساتياً، تكشف الأزمة هشاشة أدوات التكيّف المناخي داخل الفلاحة المغربية. فالمقاربة السائدة لا تزال رد فعل بعد وقوع الكارثة: تعويضات، برامج استعجالية، دعم ظرفي. في حين أن الواقع المناخي الجديد يفرض انتقالاً نحو منطق الوقاية والاستباق: شبكات صرف فعالة، حماية الضيعات من الفيضانات، تخطيط مجالي يأخذ بعين الاعتبار مسارات الأودية، واستثمار في تكنولوجيا الاستشعار ورصد رطوبة التربة وإدارة المخاطر.
ما يجري اليوم في الغرب واللوكوس ليس مجرد أزمة موسم، بل إنذار استراتيجي. إنذار بأن الأمن الغذائي لا يُقاس فقط بحجم الإنتاج، بل بمرونته أمام الصدمات المناخية، وبعدالته في التوزيع بين الداخل والخارج. وإنذار بأن استمرار منطق “التصدير أولاً” في زمن الاضطراب قد يتحول من رافعة اقتصادية إلى عامل احتقان اجتماعي صامت، يبدأ من سعر البرتقال، ولا يُعرف أين يمكن أن ينتهي.