في لحظة تبدو فيها العلاقات الدولية أكثر تعقيداً وتشابكاً من أي وقت مضى، تعيد صفقة الصيد البحري بين المغرب وروسيا رسم حدود جديدة من التفاعلات الدبلوماسية والاقتصادية، وتفتح نافذة على قراءة أعمق لواقع يتجاوز بكثير منطق البلاغات التقنية والنقل التقريري للأخبار المهنية.
فقد أعلنت الوكالة الفيدرالية الروسية لمصايد الأسماك وعلوم المحيطات فتح باب تلقي طلبات تخصيص حصص الصيد لفائدة الشركات الروسية الراغبة في العمل داخل المياه الأطلسية المغربية، في إطار تفعيل الاتفاقية الثنائية للصيد البحري الموقعة بين الرباط وموسكو في 17 أكتوبر 2025. خطوة تبدو، في ظاهرها، إجراءً إدارياً منظماً، لكنها في عمقها تعكس تحولات هادئة في منطق التعاطي الروسي مع الجغرافيا والسيادة والمصالح.
نص الاتفاق… وما لا يقوله صراحة
وفق المعطيات الرسمية، تمتد فترة تقديم الطلبات من 12 إلى 30 يناير 2026، وتشمل حصص صيد أنواع سمكية سطحية ذات قيمة استراتيجية، من بينها السردين، السردينيلا، الماكريل، الأنشوجة وغيرها. وعلى الورق، يخضع هذا النشاط لشروط صارمة: احترام القوانين المغربية المنظمة للصيد البحري، والتقيد بمعايير الاستدامة البيئية المعتمدة وطنياً ودولياً.
غير أن القراءة المتأنية للنص تكشف أن الأمر لا يقتصر على تفاصيل تقنية، بل ينطوي على دلالات أعمق تستحق التوقف عندها.
أول هذه الدلالات أن الاتفاق الجديد جاء ليحل محل إطار سابق انتهى مفعوله في ديسمبر 2024، ما يؤكد أن العلاقة بين البلدين في هذا المجال ليست طارئة، بل علاقة مستمرة يجري تحديثها وفق توازنات جديدة وشروط أكثر وضوحاً.
ثانيها أن التركيز على الأنواع السمكية السطحية لا يعكس فقط اعتبارات اقتصادية، بل يعكس أيضاً رهاناً على موارد تمثل عنصراً حيوياً في الأمن الغذائي وأسواق الاستهلاك، سواء داخل المغرب أو خارجه.
أما الدلالة الأهم، فتتجلى في أن النص، رغم صدوره عن مؤسسة روسية، يجعل من القانون المغربي المرجع الحصري لتنظيم النشاط داخل هذه المياه، بما يعني أن الرباط تحتفظ بكامل أدوات الرقابة والتنظيم داخل مجالها البحري، دون أي لغة ملتبسة أو إحالات رمادية.
من الحياد السياسي إلى الاعتراف بالممارسة
هنا، تحديداً، يبدأ النص في قول ما لا يقوله صراحة. فروسيا، التي طالما التزمت خطاب “الحياد” في ملف الصحراء، اختارت في هذه الاتفاقية الانخراط العملي في منطق المصالح المرتبطة بالسيادة المغربية. لم تُدرج أي تحفظ لغوي، ولم تلجأ إلى توصيفات أممية فضفاضة، ولم تفصل بين “المياه المغربية” و”مياه الأقاليم الجنوبية”، بل تعاملت مع الواجهة الأطلسية كوحدة قانونية واحدة خاضعة للسيادة المغربية.
في منطق العلاقات الدولية الواقعية، هذا النوع من السلوك لا يُعد تفصيلاً. فالدول الكبرى، حين تشكك في وضع قانوني أو سيادي، تحرص عادة على ترك هوامش لغوية تحفظ لها إمكانية التراجع. أما هنا، فموسكو ذهبت في اتجاه مختلف: اعتراف مصلحي عملي، لا يحتاج إلى إعلان سياسي صريح.
إنه انتقال هادئ من حياد لفظي إلى اعتراف بالفعل، ومن الموقف الدبلوماسي المجرد إلى ممارسة اقتصادية تؤسس للأمر الواقع.
الصيد البحري كأداة نفوذ دبلوماسي
في هذا السياق، لا يمكن فصل الاتفاق عن تحولات أوسع في السياسة الخارجية المغربية، التي تتجه بشكل متزايد نحو تنويع الشركاء الدوليين في القطاعات الاستراتيجية، خصوصاً في ظل التوترات القانونية التي طبعت علاقاتها مع بعض الشركاء التقليديين، وعلى رأسهم الاتحاد الأوروبي في ما يتعلق بسواحل الصحراء.
كما لا يمكن تجاهل أن الصيد البحري، رغم طابعه التقني، ظل دائماً مجالاً حساساً للتجاذبات السياسية. ويكفي التوقف عند صمت الجزائر وجبهة البوليساريو إزاء هذا الاتفاق، مقارنة بردود أفعال سابقة على اتفاقات مشابهة، لفهم أن ما يجري يُقرأ جيداً في الكواليس، حتى وإن لم يُعلن عنه.
بين الوقائع والفرضيات
توقيت الإعلان لا يبدو معزولاً عن زخم دبلوماسي أوسع يشمل تعاوناً مغربياً-روسياً في مجالات متعددة، من الطاقة إلى البنية التحتية. وهو ما يمنح اتفاق الصيد بعداً تكاملياً، يتجاوز كونه ملفاً قطاعياً مستقلاً.
في المقابل، يطرح التشديد على الإطار القانوني والبيئي أسئلة مشروعة حول آليات التتبع والمراقبة المشتركة، وكيفية ضمان عدم استنزاف المخزون السمكي، في قطاع ظل تاريخياً عرضة لتوترات بين منطق الربح ومنطق الاستدامة.
كما أن العمق التاريخي للعلاقة في مجال الصيد يمنح الطرفين معرفة متبادلة بقواعد اللعبة، ما يجعل من هذا الاتفاق خطوة محسوبة، لا مجازفة ظرفية.
خاتمة: حين تتكلم المصالح أكثر من البيانات
حين يُعلن عن فتح باب طلبات حصص الصيد في المياه المغربية، لا نكون أمام خبر إداري عابر، بل أمام فصل جديد في ترسيخ مغربية الصحراء عبر الممارسة لا الخطاب. روسيا لم تصدر بيان اعتراف، لكنها تصرفت كما لو أن الأمر محسوم. والفارق بين الأمرين، في السياسة الدولية، ليس بسيطاً.
هنا تُبنى الحقائق الصلبة: بالاقتصاد، وبالاستثمار، وبإدماج الصحراء في شبكات المصالح الدولية.
ويبقى السؤال مفتوحاً، لا لاستفزاز القارئ بل لتحفيزه على التفكير: هل نحن أمام بداية تشكل معيار جديد في إدارة المغرب لثرواته البحرية، يجعل السيادة أمراً مُمارساً قبل أن يكون مُعلناً؟ أم أننا نشهد حلقة إضافية في مسار طويل يتقدم بهدوء… لكنه يتقدم بثبات؟