زلزال تحت القبة: أوزين يطالب بجرّ قضاة الحسابات إلى النقاش البرلماني… والرياضة مجال بلا مساءلة؟

0
153

في لحظة برلمانية بدت عادية في ظاهرها، لكنها تخفي في عمقها أسئلة ثقيلة حول توازن السلط وحدود المساءلة، فجّر محمد أوزين، نائب رئيس مجلس النواب عن الفريق الحركي، نقاشاً من العيار الدستوري الثقيل، حين دعا بشكل صريح إلى جرّ “قضاة الحسابات” أنفسهم إلى دائرة المساءلة البرلمانية، بدل الاكتفاء بمحاكمة نتائج تقاريرهم على ظهر الحكومة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية.

أوزين، وهو يتدخل بنقطة نظام خلال جلسة تقديم التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات بحضور الرئيسة الأولى زينب العدوي، لم يكن يناقش فقط مسألة تقنية تتعلق ببرمجة الجلسات أو توقيتها، بل كان يضع الإصبع على جرح مؤسساتي عميق: من يحاسب من؟ وهل يملك البرلمان حق مساءلة الجهة التي تنتج “الحقيقة المحاسباتية”، أم يظل أسيراً لتقارير جاهزة، يتحول فيها النواب إلى مجرد مفسّرين لأرقام لا يملكون أدوات مساءلتها أو تفكيك منطق إنتاجها؟

الإشكال، كما صاغه أوزين، لا يتعلق فقط بتأجيل مناقشة التقرير إلى الدورة المقبلة رغم نشره للعموم، بما يحمله ذلك من كلفة سياسية وإعلامية واجتماعية، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال جوهري: هل البرلمان يناقش مضمون التقرير أم يناقش الحكومة وحدها؟ وهل المجلس الأعلى للحسابات حاضر فعلاً كمؤسسة مسؤولة عن ما ورد في التقرير، أم يظل في موقع “السلطة التي تتهم دون أن تُسأل”؟

في خلفية هذا النقاش، يلوح تعارض صامت بين منطوق الدستور وروح الممارسة. فالفصل 148 ينص صراحة على أن عرض الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات يعقبه نقاش برلماني، دون أن يحدد أن هذا النقاش يجب أن ينحصر في الحكومة. غير أن النظام الداخلي لمجلس النواب، في تأويله الضيق، حوّل هذه اللحظة الدستورية إلى مجرد جلسة لمساءلة الوزراء حول تقرير لم ينجزوه، في حين تظل الجهة التي صاغت الأرقام واستخلصت الخلاصات خارج دائرة الضوء والمساءلة.

وهنا بالضبط تتفجر المفارقة: مؤسسة دستورية تمتلك سلطة ضخمة في توجيه الرأي العام، وفي ترتيب المسؤوليات، وفي صناعة صورة المؤسسات أمام المواطنين، لكنها لا تخضع لأي مساءلة مباشرة حول منهجية عملها، أو مصادر معطياتها، أو منطق استنتاجاتها، أو حتى مدى تفاعلها مع ردود الجهات المعنية بما ورد في تقاريرها.

كلام أوزين، في عمقه، لا يستهدف المجلس الأعلى للحسابات كشخص معنوي، بقدر ما يضع سؤالاً سيادياً حول طبيعة الدولة الرقابية نفسها: هل نحن أمام رقابة بلا رقيب؟ أم أمام سلطة تقييم فوق كل مساءلة؟ وهل يمكن الحديث عن فصل متوازن للسلط في ظل وجود مؤسسة تمتلك سلطة الاتهام والتأويل دون أن تدخل هي بدورها في دائرة المحاسبة الديمقراطية؟

هذا النقاش يكتسب بعداً أكثر حساسية إذا تم ربطه بالسياق العام لتدبير الشأن الرياضي، الذي يعرف بدوره فوضى قرارات وتوقيفات صادرة عن مديريات وهيئات تتحرك، في نظر كثير من الفاعلين، بدون حسيب ولا رقيب، وبمنطق إداري مغلق لا يخضع لأي مساءلة سياسية حقيقية. نفس المنطق يتكرر: سلطة تقرر، تعاقب، توقف، تصنف، لكنها لا تُسأل عن معاييرها ولا عن خلفيات قراراتها.

من هنا، يتحول تدخل أوزين من مجرد ملاحظة إجرائية إلى طرح سياسي عميق يمس جوهر الدولة الحديثة: دولة المؤسسات لا تقوم فقط على مراقبة الحكومة، بل على إخضاع كل سلطة، مهما كان موقعها الدستوري، لمنطق الشفافية والمساءلة. فالمحاسبة، إذا لم تكن متبادلة، تتحول إلى أداة هيمنة رمزية، لا إلى آلية إصلاح.

الدعوة التي أطلقها نائب رئيس مجلس النواب، في جوهرها، ليست صداماً مع مؤسسة دستورية، بل محاولة لإعادة التوازن إلى معادلة مختلة: لا يمكن بناء ثقة المواطنين في التقارير الرقابية إذا كانت هذه التقارير نفسها خارج أي نقاش مؤسساتي حقيقي. ولا يمكن الحديث عن ديمقراطية رقابية إذا ظل من يصدر الأحكام معفى من مناقشة أدواته ومنهجه ونتائجه.

بهذا المعنى، فإن قضية “قضاة الحسابات” ليست تقنية ولا قانونية فقط، بل سياسية بامتياز. إنها سؤال عن من يملك الحقيقة داخل الدولة، ومن يراقب من، وأين تنتهي سلطة التقييم وأين تبدأ سلطة المساءلة. وهو سؤال مرشح، إن تم فتحه بجدية، لأن يعيد رسم حدود العلاقة بين البرلمان وباقي المؤسسات الدستورية، وربما يعيد تعريف معنى الرقابة نفسها في المغرب.