“سمك الفقراء” بين قرار المنع وواقع السوق.. هل يغيّر تقييد التصدير معادلة الأسعار أم يفضح اختلالات السلسلة؟

0
102

قُدِّم قرار تقييد تصدير السردين باعتباره تدخلاً حكومياً مباشراً لحماية القدرة الشرائية وضبط وفرة ما يُعرف شعبياً بـ”سمك الفقراء”، خصوصاً مع اقتراب رمضان وارتفاع الطلب الداخلي على المنتجات البحرية. غير أن الأرقام الميدانية القادمة من أسواق الرباط وسلا ومراكش تكشف أن القرار، رغم رمزيته السياسية والاقتصادية، لم يُحدث بعد الأثر المتوقع في أسعار التجزئة.

فبين 13 درهماً للكيلوغرام في أكادير، و30 درهماً أو أكثر في الرباط وسلا، وتراوح يصل في بعض المدن الداخلية إلى 40 درهماً، يتجسد سؤال جوهري: هل المشكلة في التصدير فعلاً أم في بنية السوق نفسها؟ هذا التفاوت الحاد بين المدن يضع القرار الحكومي تحت اختبار الواقع، ويعيد النقاش إلى طبيعة سلسلة التوزيع وهامش الوسطاء وكلفة النقل.

في الأسواق… أرقام تتحدث قبل الأحاديث

مع اقتراب موعد الإفطار في سوق السمك بحي يعقوب المنصور بالرباط، لم يكن المشهد يعكس حمى شراء معتادة في الأيام الأولى من رمضان. الحركة موجودة، لكن الإقبال يتسم بالحذر والتردد. الزبائن يقفون أمام الطاولات المعدنية، يقرؤون الأثمنة المكتوبة بخط عريض على بطاقات صغيرة، قبل أن يطلقوا حكمهم الاقتصادي الصامت: “غالي”.

السؤال الذي يتكرر: “بشحال اليوم؟”
والجواب يأتي سريعاً: “30 درهم… والكبير 35”.

عندها تتراجع العائلات خطوة إلى الوراء، تحسب الكلفة الإجمالية لوجبة قد تشمل أسرة كاملة، ثم تُعاد صياغة الطلب: نصف كيلو بدل كيلو، أو “على قد الحال”.

المساومات التي كانت جزءاً من طقوس السوق بدأت تخفت. الباعة يبررون الارتفاع بارتفاع سعر الشراء من سوق الجملة، وبتكاليف النقل والتبريد، وبالطلب الموسمي المرتفع. لكن المستهلك لا يعنيه هذا التفسير بقدر ما يعنيه السعر النهائي.

المفارقة أن القرار الحكومي بتقييد التصدير خلق توقعاً نفسياً بانخفاض فوري في الأسعار، غير أن السوق لا تعمل بمنطق القرارات الإدارية المباشرة، بل وفق توازنات العرض والطلب، وسلاسل لوجستية تمتد من القارب إلى الطاولة.

أكادير والرباط… اختلاف الجغرافيا يفسر جزءاً من الفجوة

في أكادير، حيث الميناء قريب من نقطة التفريغ، يُباع السردين بين 12 و13 درهماً. الفرق هنا لا يرتبط فقط بالعرض، بل ببنية السوق نفسها: وصول مباشر من البحر إلى التاجر دون مسار طويل من الوسطاء.

أما في الرباط أو سلا، فالكيلو يقطع مئات الكيلومترات، ما يضيف تكاليف نقل وتخزين وهوامش متعددة على السعر النهائي. وكل حلقة في السلسلة تترك أثرها النقدي.

أحد المهنيين في القطاع يوضح أن المشكلة ليست في وفرة السمك عند التفريغ، بل في آلية انتقاله عبر السوق الوطنية. فإذا لم يتم ضبط هوامش الربح، ومراقبة التكاليف غير المبررة، فإن أي قرار يخص التصدير سيظل تأثيره جزئياً.

رمضان… الطلب يرتفع والقدرة الشرائية تختبر

في سوق باب سبتة بسلا، يتكرر المشهد نفسه: تردد، مقارنة أسعار، وتقليص للكميات المشتراة. مواطنون يطرحون سؤالاً اقتصادياً مباشراً: كيف يمكن أن يُباع السردين بـ13 درهماً في مدينة، وبأكثر من الضعف في مدينة أخرى داخل نفس البلد؟

الموظف يوسف، أب لطفلين، يرى أن العدالة السعرية لا تتحقق فقط عبر منع التصدير، بل عبر ضبط منظومة التوزيع بكاملها. فالمشكلة – من وجهة نظره – ليست في الإنتاج فقط، بل في حلقات الوساطة التي ترفع السعر دون إضافة قيمة حقيقية.

وفي الدار البيضاء والجديدة، تراوح السعر حول 15 درهماً للكيلوغرام، مع تسجيل زيادة بنحو 5 دراهم مقارنة بما قبل رمضان، ما يشير إلى أن الضغط الموسمي لا يزال مؤثراً رغم القرار التنظيمي.

أما في مراكش، فقد وصلت الأسعار في بعض الفترات إلى 40 و45 درهماً، وهو مستوى يطرح تساؤلات أعمق حول تأثير البعد الجغرافي، وتوقف نشاط بعض قوارب الصيد الساحلي بسبب الظروف الجوية، إضافة إلى اختلالات لوجستية تضاعف الكلفة.

هل يكفي تقييد التصدير لضبط السوق؟

خبراء سلاسل التوزيع يرون أن القرار الحكومي، رغم أهميته، لا يعالج سوى جزء من المعادلة. فارتفاع السعر من 13 درهماً إلى أكثر من 30 درهماً بين مدينتين ليس نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تفاعل بين:

  • تكاليف النقل والتبريد

  • هوامش الوسطاء

  • دينامية العرض في الموانئ

  • الطلب الموسمي المرتفع

  • ضعف الرقابة على مسارات التوزيع

بمعنى آخر، تقييد التصدير قد يعزز العرض الداخلي، لكنه لن يُترجم مباشرة إلى انخفاض ملموس ما لم تُرافقه آليات مراقبة وتدخل في حلقات السلسلة من التفريغ إلى البيع بالتجزئة.

بين القرار والواقع… من يستفيد فعلاً؟

يبقى السردين، باعتباره سلعة رمزية في الثقافة الاستهلاكية المغربية، مؤشراً اقتصادياً حساساً يكشف طبيعة العلاقة بين السياسة العمومية والسوق.

فاليوم، التصدير مُقيّد، لكن الأسعار في بعض المدن ما تزال مرتفعة. والمواطن الذي كان ينتظر انعكاس القرار على فاتورة الشراء لم يلمس بعد تحولاً جذرياً.

السؤال المطروح ليس فقط: لماذا لم تنخفض الأسعار؟
بل أيضاً: من يتحكم فعلياً في مسار القيمة منذ خروج السمك من البحر حتى وصوله إلى المائدة؟

في هذا التوتر بين النية التنظيمية والواقع السوقي، يتضح أن معالجة ارتفاع الأسعار تتطلب رؤية شاملة تتجاوز القرار الظرفي نحو إصلاح هيكلي لسلسلة القيمة البحرية.