في لحظةٍ تبدو فيها ورشات إصلاح المنظومة الصحية والحماية الاجتماعية بالمغرب وكأنها تدخل مرحلة الحسم، يطفو على السطح بلاغ النقابة المستقلة لقطاعات الصحة كوثيقة تتجاوز حدود “الخبر النقابي” إلى ما يشبه شهادة ميدانية عن تعثرات عميقة في تنزيل الإصلاح. فبين خطاب رسمي يَعِدُ بإعادة بناء الثقة، وواقع مهني مشحون بالإحباط، يطرح هذا البلاغ سؤالًا مركزيًا: هل نحن أمام أزمة تدبير عابرة، أم أمام اختلال بنيوي يهدد مصداقية المشروع برمّته؟
البلاغ، الذي جاء على خلفية استقالة مدير المستشفى الإقليمي الزموري بالقنيطرة، لا يكتفي بسرد الواقعة، بل يعيد تركيبها ضمن سياق أوسع، حيث تتحول الاستقالة من حدث إداري إلى مؤشر دالّ على صراع غير معلن داخل المنظومة الصحية. فحسب ما تضمنه، فإن “الملف الثقيل” المرتبط بشبهات تدبير مشاريع وصفقات البنيات التحتية والتجهيزات التقنية، يكشف عن مستويات متشابكة من الاختلالات، لا تقف عند حدود المال العام، بل تمتد إلى سلامة المرضى وجودة الخدمات، وهو ما يضفي على القضية بعدًا أخلاقيًا ومهنيًا يتجاوز الحسابات الإدارية الضيقة.
في العمق، يقدّم البلاغ رواية مضادة لما يمكن تسميته “النسخة الرسمية للأحداث”. فبدل تحميل المسؤولية لضعف الاستعمال أو أخطاء الأطر الصحية، كما خلصت إليه لجنة الوزارة، يعيد توجيه النقاش نحو أصل الإشكال: كيف تم تمرير مشاريع تعاني من أعطاب بنيوية؟ ومن يتحمل مسؤولية مراقبتها وتتبعها؟ هذا التحول في زاوية النظر يعكس ما يمكن اعتباره صراعًا بين منطقين: منطق يختزل الأزمة في نتائجها، ومنطق آخر يصرّ على تفكيك جذورها.
ومن خلال تتبع تفاعلات الحدث، يتضح أن الاستقالة لم تكن قرارًا فرديًا معزولًا، بل نتيجة تراكم توترات داخلية وخارجية، وُصفت في البلاغ بـ”حرب غير معلنة”. هنا، تبرز إشارة قوية إلى وجود مقاومة للتغيير، أو ما يمكن تسميته “لوبيات الوضع القائم”، التي تجد في كل محاولة إصلاح تهديدًا لمصالحها. وفي هذا السياق، تتحول الاستقالة إلى فعل احتجاجي صامت، يعبّر عن رفض الانخراط في مسارات يكتنفها الغموض.
اللافت أيضًا أن البلاغ لا يغفل البعد النفسي والاجتماعي للأزمة، حيث يشير إلى تأثيرها على معنويات الأطر الصحية، وهو عنصر غالبًا ما يتم تهميشه في النقاش العمومي. فحين يشعر المهنيون بأنهم قد يتحولون إلى “كبش فداء” لاختلالات لا علاقة لهم بها، فإن ذلك يضرب في العمق أحد أهم شروط نجاح أي إصلاح: الثقة. ومن هنا، يمكن فهم موجة التضامن التي تُرجمت في وقفات احتجاجية تطالب بتحديد المسؤوليات قبل اتخاذ قرارات قد تُعمّق الجرح بدل معالجته.
ولم يقف البلاغ عند حدود التشخيص، بل استحضر ذاكرة قريبة، بالعودة إلى ملفات سنة 2022 التي شهدت متابعات قضائية في قضايا تتعلق بالفساد المالي والإداري. هذا الاستحضار لا يبدو اعتباطيًا، بل يهدف إلى تأكيد أن ما يحدث اليوم ليس حالة معزولة، بل امتداد لنمط متكرر، ما لم يتم كسره عبر تفعيل حقيقي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
في هذا الإطار، يكتسب استدعاء مضامين الخطاب الملكي الموجه إلى البرلمان دلالة خاصة، ليس فقط كمرجعية دستورية، بل كأفق أخلاقي وسياسي للإصلاح. فالبلاغ يوظف هذا الخطاب ليعيد طرح السؤال على الفاعلين المؤسساتيين: أين نحن من الإرادة الصادقة التي دعا إليها الملك؟ وهل تم فعلاً تحييد الحسابات السياسوية والحزبية لصالح المصلحة العامة؟
بين سطور هذا البلاغ، تتشكل صورة مركبة لوضعية الإصلاح الصحي: إرادات فردية تسعى إلى التغيير، مقابل بنى مقاومة تُبطئ أو تعرقل هذا المسار. وبين الاثنين، يقف المواطن، الذي يُفترض أن يكون المستفيد الأول، لكنه يظل الحلقة الأضعف في معادلة لم تُحسم بعد.
هكذا، لا يمكن قراءة هذا البلاغ كوثيقة ظرفية، بل كجرس إنذار يعيد طرح جوهر الإشكال: إنجاح ورش تأهيل وإصلاح المنظومة الصحية لا يمر فقط عبر ضخ الموارد أو إطلاق البرامج، بل يقتضي قبل كل شيء خلق بيئة مؤسساتية قائمة على الشفافية، حماية الكفاءات، وتحصين القرار العمومي من كل أشكال التأثير التي تُفرغه من مضمونه. دون ذلك، سيظل الإصلاح معلقًا بين خطاب طموح وواقع يقاوم التغيير.