لم تكن “رحلة واشنطن” التي روّجت لها جبهة البوليساريو سوى محاولة يائسة لإعادة ضخّ الحياة في خطاب سياسي متآكل، فقد قدرته على إقناع الداخل قبل الخارج. ففي لحظة إقليمية ودولية يعاد فيها ترتيب موازين القوة في ملف الصحراء المغربية، وجدت الجبهة نفسها مضطرة إلى افتعال حدث دبلوماسي، ولو عبر تضخيم لقاءات غير مؤكدة، لتقول لسكان مخيمات تندوف إن شيئاً ما ما يزال يتحرك… حتى وإن كان بلا مضمون سياسي حقيقي.
لكن ما كُشف في واشنطن لم يكن ما أرادته الجبهة. فغياب أي إعلان رسمي أمريكي يؤكد الرواية التي تم الترويج لها، وعدم صدور أي موقف يوحي بوجود تحوّل في مقاربة واشنطن، جعلا من هذه “الزيارة” أقرب إلى عملية علاقات عامة موجهة للاستهلاك الداخلي، منها إلى مبادرة دبلوماسية ذات وزن في ميزان القرار الدولي.
هنا بالضبط تتجلى قوة التحول الذي فرضه المغرب في السنوات الأخيرة: لم يعد النزاع فضاءً مفتوحاً لكل السيناريوهات، بل أصبح مؤطراً بخيار واحد يُنظر إليه دولياً كحل واقعي وعملي: الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
من واشنطن إلى تندوف: فشل دبلوماسي يُترجم غضباً داخلياً
قرار مجلس الأمن 2797 لم يكن مجرد تمديد تقني لولاية المينورسو، بل لحظة سياسية فاصلة. فهو، لأول مرة بهذه الصيغة الواضحة، جعل من مقترح الحكم الذاتي المغربي المرجعية المركزية لأي حل سياسي، واضعاً بذلك حداً فعلياً لمنطق الاستفتاء الانفصالي الذي ظلت البوليساريو تتشبث به لعقود.
في هذا السياق، بدت زيارة وفد الجبهة إلى واشنطن محاولة متأخرة لكسر هذا المسار، أو على الأقل لتخفيف آثاره داخل المخيمات، حيث يتصاعد الإحباط من انسداد الأفق السياسي، ومن التدهور المعيشي، ومن الإحساس بأن الجزائر – الحليف التقليدي – باتت أقل استعداداً لدفع كلفة استمرار هذا النزاع.
فما كان يُفترض أن يكون “اختراقاً دبلوماسياً” تحوّل إلى اختبار سياسي فاشل: لا تغيير في الموقف الأمريكي، لا تراجع عن مركزية الحكم الذاتي، ولا استعداد لإعادة فتح باب الخيارات الصفرية التي بنت عليها الجبهة وجودها.
الحكم الذاتي: من مبادرة مغربية إلى معيار دولي
التحول الأخطر بالنسبة للبوليساريو ليس فقط في مضمون القرار 2797، بل في المنطق الجديد الذي يحكم المقاربة الدولية. لم يعد تقرير المصير يُقرأ كمدخل للتفكيك والانفصال، بل كآلية لتنظيم الحكم الذاتي داخل الدول، بما يحقق التمثيل السياسي والحقوق الثقافية والتنمية المحلية، دون المساس بالسيادة والوحدة الترابية.
وهنا نجح المغرب في ما فشلت فيه الجبهة: تحويل مبادرته من مقترح تفاوضي إلى مرجعية أممية.
كل المناورات اللاحقة – سواء في واشنطن أو عبر الحملات الإعلامية – لم تكن سوى محاولات لتجميل هزيمة سياسية جوهرها أن المجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة، حسم خياره لصالح حل مغربي واقعي، مستقر، وقابل للتنفيذ.
حين تتحول الدعاية إلى عبء
بدلاً من أن تعزز زيارة واشنطن موقع البوليساريو، كشفت هشاشته. فالتضخيم الإعلامي لنتائج غير موجودة، والترويج لـ“ضمانات” لم تظهر في أي بيان رسمي، جعلا الجبهة تبدو كتنظيم يعيش على صناعة الوهم أكثر مما يعيش على قراءة موازين القوى.
في المقابل، يراكم المغرب بهدوء ما هو أخطر من الضجيج: شرعية سياسية وقانونية دولية، وشبكة دعم داخل مؤسسات القرار العالمي، وانتقال تدريجي للنزاع من منطق “التصفية الاستعمارية” إلى منطق “الحكم الذاتي كحل للنزاعات الترابية”.
الخلاصة: من يربح الزمن؟
بين مناورة واشنطن وصلابة القرار 2797، ظهر الفارق بين مشروعين:
-
مشروع مغربي يبني الحل على الواقعية، وعلى السيادة، وعلى إدماج الصحراء في الدولة مع ضمان حقوق سكانها.
-
ومشروع انفصالي يعيش على تأجيل النهاية، وعلى إدارة المخيمات بمنطق الأزمة، وعلى تغذية الإحباط بخطاب لم يعد يجد من يصدقه دولياً.


