صحيفة “لاراثون”: المغرب بين النموذج الديني المعتدل والتحالفات الاستراتيجية… تموضع أمني ودبلوماسي يرسّخ دوره في الساحل وغزة

0
103

تطرح قراءة صحيفة “لاراثون” الإسبانية لموقع المغرب الإقليمي مقاربة تتجاوز الوصف التقليدي لعلاقاته الخارجية، لتضعه ضمن معادلة أمنية ودبلوماسية متشابكة تمتد من منطقة الساحل الإفريقي إلى ترتيبات الاستقرار في غزة، مرورًا بملفات الصحراء والتحالف مع واشنطن. فالمملكة، وفق هذا الطرح، لا تُقدَّم فقط كفاعل إقليمي عادي، بل كعنصر استقرار يربط بين البعد الديني والسياسي والأمني في منطقة تشهد تحولات عميقة واضطرابات متصاعدة.

في عمق هذا التحليل، تتقدم فكرة أساسية مفادها أن المغرب يضطلع بدور استباقي في مراقبة واحتواء تحركات الجماعات السلفية الجهادية في الساحل. هذا الدور لا يُقرأ بمعزل عن الجغرافيا؛ فاستقرار المغرب الداخلي يمتد تأثيره إلى الضفة الشمالية للمتوسط، حيث تتداخل المخاطر الأمنية مع قضايا الهجرة والتهديدات العابرة للحدود. ومن هنا تنظر واشنطن إلى الرباط باعتبارها “خط دفاع متقدم”، ليس فقط لحماية مصالحها المباشرة، بل كعنصر غير مباشر في منظومة حماية جنوب أوروبا من تداعيات التفكك الأمني في الساحل.

هذا التموضع الأمني يجد دعمه في خصوصية النموذج الديني المغربي، القائم على المذهب المالكي والتصوف السني، والمؤطر مؤسساتيًا عبر إمارة المؤمنين. فبحسب ما تشير إليه الصحيفة، يشكل هذا النموذج تمايزًا واضحًا عن التيارات السلفية المتشددة المنتشرة في الساحل، كما أنه خارج الاصطفافات المذهبية الحادة التي تطبع بعض مناطق الشرق الأوسط. وبالتالي، فإن البعد الديني هنا ليس مجرد خطاب رمزي، بل أداة نفوذ ناعم تُستخدم عبر تكوين الأئمة، ونشر التعليم الديني المعتدل، وإطلاق برامج تعاون ديني مع عدد من دول إفريقيا جنوب الصحراء.

من هذا المنظور، يتجسد الحضور المغربي في الساحل في مقاربة متعددة الأبعاد: أمنية عبر التعاون الاستخباراتي وتحديث القدرات العسكرية، ودبلوماسية من خلال تعزيز العلاقات الثنائية ومتعددة الأطراف، ودينية عبر تصدير نموذج مؤسساتي يهدف إلى تحصين المجتمعات المحلية من خطاب التطرف. وتقرأ واشنطن هذه المعادلة ضمن رؤية أوسع للاستقرار الإقليمي، وهو ما يفسر استمرار دعمها لمبادرة الحكم الذاتي في ملف الصحراء، باعتبارها إطارًا سياسيًا واقعيًا يحافظ على توازنات المنطقة ويعزز استقرار المملكة.

في السياق ذاته، تشير التحليلات إلى أن تراجع الحضور الفرنسي في إفريقيا الفرنكوفونية، مقابل محدودية التأثير الإسباني في الفضاء الإفريقي الأوسع، فتح فراغًا جيوسياسيًا استثمره المغرب لتعزيز تموضعه الأمني والدبلوماسي. غير أن هذا التوسع لا يُفهم فقط كامتداد طموح، بل كاستجابة لتحولات إقليمية فرضتها المنافسة الاستراتيجية، خصوصًا مع الجزائر في سياق سباق التسلح وتوازن الردع، حيث يشكل تحديث المنظومة العسكرية المغربية عنصرًا مركزيًا في إعادة صياغة معادلة القوة الإقليمية.

وفي ملف غزة، تبرز قراءة “لاراثون” زاوية مختلفة للدور المغربي، تقوم على فكرة الوساطة المركبة والقدرة على الربط بين أطراف متباينة. فاجتماع واشنطن المنعقد في 19 فبراير حول مسار الاستقرار في القطاع لم يكن مجرد لقاء تقني، بل مناسبة لإبراز وزن فاعلين إقليميين قادرين على التأثير في ترتيبات ما بعد الحرب. ورغم أن المغرب ليس من أكبر المساهمين ماليًا أو عسكريًا ضمن أي قوة استقرار محتملة، فإن قيمته السياسية تكمن في موقعه الفريد داخل المعادلة.

فالمغرب، كما تلاحظ الصحيفة، يحتفظ بعلاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل منذ استئنافها عام 2020، ضمن إطار اتفاقيات إعادة التطبيع، وفي الوقت نفسه يحافظ على انخراطه الرسمي في لجنة القدس التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي، مع خطاب سياسي يعلن دعمه الثابت للحقوق الفلسطينية. هذا التوازن يمنحه هامش تحرك دقيق، يسمح له بالتواصل مع مختلف الأطراف دون أن يُصنّف ضمن محور مغلق أو خصم مباشر لأي من المعسكرات.

من هنا يمكن قراءة الدور المغربي كحالة تموضع استراتيجي قائم على إدارة التناقضات بدل الانخراط في صراعاتها. فالقوة الناعمة في النموذج الديني، والقوة الصلبة في التحديث العسكري، والقوة الدبلوماسية في الانفتاح على تحالفات متعددة، كلها عناصر تشكل شبكة نفوذ متكاملة. غير أن هذا المسار يطرح أيضًا تساؤلات حول حدود الاعتماد على التحالفات الدولية، ومدى قدرة المغرب على الحفاظ على استقلالية قراره الاستراتيجي في بيئة إقليمية متقلبة.

في المحصلة، تبدو قراءة “لاراثون” محاولة لتأطير المغرب ضمن خريطة أمنية جديدة تتشكل ملامحها بين الساحل وغزة وواشنطن والرباط. إنها صورة بلد يسعى إلى تحويل موقعه الجغرافي إلى رافعة سياسية، ونموذجه الديني إلى أداة استقرار، وتحالفاته الدولية إلى ضمانة لتعزيز حضوره في معادلات الأمن الإقليمي.