لم تكن أرقام المندوبية السامية للتخطيط لسنة 2025 مجرد نشرة تقنية عن سوق الشغل، بقدر ما بدت كمرآة مقلقة لوضع اجتماعي يزداد هشاشة، رغم لغة “التحسن الطفيف” التي تحملها المؤشرات العامة. فحين تعلن المندوبية أن معدل البطالة بلغ 13 في المائة، بتراجع لا يتجاوز 0,3 نقطة مقارنة بسنة 2024، فإن المعنى الواقعي لهذا الرقم هو أن أزيد من مليون و620 ألف مغربي ما زالوا خارج دورة الإنتاج، وأن واحدا من كل خمسة حاملي شهادات لا يجد موقعا له في سوق العمل.
ظاهريا، يبدو المشهد أقل قتامة: البطالة انخفضت في الوسطين الحضري والقروي، وتراجع عدد العاطلين بنحو 17 ألف شخص. غير أن هذا “التحسن” الرقمي يخفي مفارقة أساسية؛ فالتراجع لم يكن نتيجة دينامية اقتصادية قوية أو توسع حقيقي في فرص الشغل، بل أقرب إلى إعادة توزيع داخل نفس الكتلة الهشة، حيث يظل الثقل الأكبر في المدن، بمعدل بطالة يفوق 16 في المائة، مقابل حوالي 6,6 في المائة في العالم القروي، الذي ما زال يعتمد على أشكال شغل غير مستقرة وغير مصرح بها في الغالب.
القراءة حسب الجنس تكشف بدورها اختلالا بنيويا: البطالة لدى النساء ارتفعت إلى أكثر من 20 في المائة، بينما انخفضت لدى الرجال إلى حوالي 11 في المائة. هنا لا يتعلق الأمر بفارق عابر، بل بنمط مستمر يعكس ضعف إدماج النساء في سوق الشغل، رغم الخطاب الرسمي حول التمكين الاقتصادي والمساواة. فالمرأة المغربية، حتى حين تكون حاملة لشهادة، تجد نفسها أكثر عرضة للإقصاء، أو محصورة في قطاعات محدودة الأفق والاستقرار.
لكن المؤشر الأكثر دلالة يظل هو بطالة الشباب. فالفئة ما بين 15 و24 سنة سجلت ارتفاعا جديدا لتصل إلى أكثر من 37 في المائة، أي أن أكثر من ثلث الشباب يوجدون خارج الشغل والدراسة معا أو على هامشهما. وهذا الرقم لا يعكس فقط أزمة تشغيل، بل أزمة أفق اجتماعي كاملة، حيث يتحول الانتظار إلى نمط حياة، وتتحول الشهادة إلى عبء نفسي بدل أن تكون سلما للترقي.
المفارقة الصادمة أن البطالة لا تميز كثيرا بين المتعلم وغير المتعلم. صحيح أن معدلها لدى غير الحاصلين على شهادات لا يتجاوز 5 في المائة، لكنه يرتفع إلى حوالي 19 في المائة لدى حاملي الشهادات، ويصل إلى 24 في المائة لدى التقنيين والأطر المتوسطة. هنا يظهر الخلل الحقيقي: سوق الشغل المغربي لا يكافئ الاستثمار في التعليم، ولا يستوعب مخرجاته، بل يدفع بالكفاءات نحو الانتظار أو الهجرة أو القبول بأعمال لا تناسب مؤهلاتها.
الأخطر من ذلك أن البطالة نفسها تزداد “هشاشة”. أكثر من نصف العاطلين لم يسبق لهم أن اشتغلوا إطلاقا، ونحو ثلثيهم يعانون من بطالة طويلة الأمد تتجاوز سنة كاملة، بمتوسط انتظار يصل إلى 33 شهرا. هذا يعني أننا لسنا أمام بطالة انتقالية، بل أمام وضعية إقصاء ممتد، تتآكل فيها قابلية الإدماج مع مرور الوقت، ويتحول العاطل من باحث عن فرصة إلى ضحية دائمة لسوق مغلقة.
حتى الذين اشتغلوا سابقا لم يسلموا من الهشاشة. أغلبهم كانوا مأجورين في قطاع الخدمات أو الصناعة أو البناء، أي في قطاعات شديدة التقلب، أول من يتأثر بالأزمات الاقتصادية. وحين يفقد هؤلاء عملهم، يجدون أنفسهم في طابور العاطلين، دون حماية اجتماعية حقيقية أو مسارات واضحة لإعادة الإدماج.
وفي خلفية هذا المشهد، يرتفع مؤشر آخر لا يقل خطورة: الشغل الناقص. فحوالي 1,19 مليون مغربي يشتغلون في ظروف لا توفر لهم دخلا كافيا أو ساعات عمل مستقرة أو انسجاما مع مؤهلاتهم. أي أننا أمام طبقة واسعة من “المشتغلين الفقراء”، الذين لا يظهرون في إحصاءات البطالة، لكنهم يعيشون نفس الهشاشة وربما أكثر.
الخلاصة أن أرقام 2025 لا تحكي قصة تعافٍ بقدر ما ترسم ملامح أزمة مزمنة. أزمة لا تتجلى فقط في عدد العاطلين، بل في نوعية الشغل المتاح، وفي الفجوة المتزايدة بين التعليم وسوق العمل، وفي عجز السياسات العمومية عن تحويل النمو الاقتصادي إلى فرص فعلية للاندماج الاجتماعي. بطالة المغرب لم تعد مجرد مؤشر اقتصادي، بل صارت سؤالا سياسيا واجتماعيا حول معنى التنمية نفسها: هل هي نمو في الأرقام أم قدرة حقيقية على منح الناس أفقا للعيش بكرامة؟