في مشهد قصير لكنه غني بالدلالات، ظهر رئيس الحكومة المغربية، عزيز أخنوش، وهو يرد على تدخلات محمد أوزين في النقاش حول الإعلام، مؤكداً بشكل صريح: “أنا ما تجيبونيش فالمشاكل لي بينكم مع الصحافة”. هذه الجملة البسيطة تخفي وراءها طبقات من المعنى السياسي والاجتماعي، وتفتح المجال أمام قراءة نقدية تتجاوز السطح.
أول ما يلفت الانتباه هو التوازن الدقيق الذي يسعى أخنوش للحفاظ عليه بين السلطة والصحافة. فهو يعلن عدم الخوف من الإعلام، ويؤكد الاحترام لحرية الصحافة، لكنه في الوقت ذاته يضع حدوداً واضحة للتورط الشخصي في صراعات داخلية. هنا تتجلى مسألة الحدود بين السلطة التنفيذية والمجال الإعلامي: هل يمكن للحكومة أن تكون جهة مراقبة ومحترمة للصحافة، وفي الوقت نفسه تظل بعيدة عن أي نزاع يخص العاملين الإعلاميين؟ وما هو المعيار الذي يحدد هذه المسافة بين الاحترام والمشاركة؟
تصريح أخنوش يعكس أيضاً تحديات الحكومة في إدارة الصورة العامة، خصوصاً في زمن تُصبح فيه وسائل الإعلام الرقمية منصة لانتقاد مباشر وفوري. إذ يشير إلى وجود “صحافة معناها” و”صحافة غير متفقة معنا”، في محاولة للتمييز بين ما يعتبره دعمًا أو نقدًا بناءً، وبين ما يرى فيه تهديداً أو سوء فهم لعمل الحكومة. هذه المقاربة تفتح الباب للتساؤل: هل يمكن للسلطة أن تفرض تعريفاً لما هو نقد مشروع، دون المساس بحرية الصحافة؟ وهل يشكل هذا النوع من التصنيف خطراً على الشفافية الديمقراطية؟
من زاوية اجتماعية، يعكس الموقف سؤالاً أكبر عن الثقة بين الدولة والمواطنين عبر الوسيط الإعلامي. فحين يبتعد المسؤولون عن الصراع المباشر مع الصحافة، فإنهم يحمون أنفسهم من التجاذبات المباشرة، لكن في الوقت نفسه، هل يؤدي هذا إلى فجوة في التواصل مع الرأي العام؟ وهل تصبح الرسائل الحكومية أقل وضوحاً، أو أكثر عرضة للتأويل؟
وأخيراً، يمكن اعتبار هذه التصريحات نافذة على العقلية السياسية في المغرب اليوم: عقلية تبحث عن التوازن بين الحرية والسلطة، بين الاستقلالية الإعلامية والرقابة الذاتية، بين الاحترام والمساءلة. إنها لحظة تكشف لنا أكثر من مجرد موقف، فهي دعوة للتفكير في طبيعة العلاقة بين السياسة والإعلام، والمسؤولية المشتركة في بناء خطاب عام صادق وشفاف.
أسئلة مفتوحة للقارئ:
إلى أي حد يمكن للسلطة السياسية أن تحترم حرية الصحافة دون أن تصبح طرفاً في أي صراع داخلي؟
هل الانفصال عن النزاعات الإعلامية يحمي الحكومة، أم يضعف التواصل مع المواطنين؟
كيف يمكن للصحافة أن تحافظ على استقلاليتها بينما تحاول أن تكون شريكة في الحوار الوطني؟


