عندما تتحوّل “لاسامير” من ملكة الصناعة إلى رمز الضعف الطاقي: قراءة في بعدٍ اقتصادي وجيوسياسي

0
99

في وقت تعيش فيه أسواق الطاقة العالمية اضطرابات غير مسبوقة، وتُسجّل أسعار النفط مستويات قياسية بفعل التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج وشبه الجزيرة الإيرانية، تبرز إحدى أكثر الملفات إثارة للجدل في المغرب: مصفاة “لاسامير” بالمحمدية. هذه البنية الصناعية التي كانت تمثّل ضمانة للاكتفاء الذاتي في المحروقات، تحوّلت اليوم إلى حجر عثرة في وجه الأمن الطاقي الوطني، فيما تستمر أثار توقفها في تهديد قدرة المغرب على مواجهة الصدمات الخارجية.

من عصب صناعي إلى قضية متأزمة

تأسست مصفاة “سامير” في 1959 كمحطة وطنية لتكرير النفط وتوفير البنزين والديزل للسوق المحلية، وقد وصلت طاقتها الإنتاجية إلى ما يقارب 200 ألف برميل يوميًا، مع وحدات تخزين ضخمة قادرة على احتواء مخزون استراتيجي يغطي شهورًا من الاستهلاك.

إلا أن كل هذا التاريخ الصناعي انتهى عام 2015، حين توقّفت المصفاة عن العمل نتيجة تراكم الديون التي تجاوزت 44 مليار درهم (نحو 4.1 مليار دولار) وعدم قدرة الشركة على تلبية التزاماتها المالية، ما أدّى إلى إعلانها إفلاسًا ودخولها في تصفية قضائية منذ مارس 2016.

هذا التوقف الذي بدا في البداية مسألة تقنية أو مالية، سرعان ما اتّخذ أبعادًا أعمق في المنظور الوطني، خاصة في ظل تصاعد أزمة المحروقات وارتفاع أسعارها في السوق المحلية.

تكلفة الفراغ الصناعي: اقتصادٌ يئنّ تحت وطأة الاستيراد

منذ إغلاق “سامير”، بات المغرب مستوردًا كاملًا للمنتجات النفطية المكرّرة، الأمر الذي جعله عرضةً لتقلبات الأسعار الدولية وغياب أي مخزون محلي يمكنه امتصاص الصدمات المالية أو التضخّم المفاجئ في أسعار الوقود.

تقارير نقابية ومحلّلون اقتصاديون أشاروا إلى أن وجود مصفاة وطنية كان من الممكن أن يوفر إعادة توازن لسوق المحروقات ويقلّل من الضغط على العملة الصعبة، بل وأنه كان من الممكن أن يوفر للموازنة العامة بلايين الدولارات سنويًا من تكاليف الاستيراد واحتياطيات الطاقة الاستراتيجية.

إضافةً إلى ذلك، فقد غاب عن السوق المحلي عنصر المنافسة الحقيقية بعد تحرير الأسعار سنة 2015، مما سمح لشركات الاستيراد بالهيمنة على أكثر من 80% من حصة السوق وتحقيق هوامش ربح عالية في غياب منافس محلي قادر على توفير الطاقة بتكاليف تنافسية.

السياق القانوني والسياسي: عندما يلتقي القضاء بالمصالح

رغم مرور عقود على توقف “سامير”، لا يزال الملف عالقًا في شباك القضاء ومحاكم التحكيم الدولي، وفي قلب صراعات سياسية واقتصادية محلية. فقد رفضت المحكمة التجارية مؤخراً عرضًا إماراتيًا بقيمة 3.5 مليار دولار للاستحواذ على أصول المصفاة، ما يعكس تعقيدات الملف والقضايا القانونية المتراكمة حول ملكيته وتشغيله.

بين الداعين إلى الاستثمار الأجنبي والرافضين القلقين من التفريط في مورد استراتيجي، وبين الأصوات النقابية التي تطالب بـ التأميم أو الشراكة بين القطاعين العام والخاص، تبرز أزمة “سامير” كرمز لصراع أعمق حول من يمتلك القرار في سوق حيوية مثل الطاقة.

الأمن الطاقي الوطني في مواجهة تقلبات عالمية

في ظل التوترات الجيوسياسية التي تشهدها مناطق الإنتاج العالمية وخاصة مضيق هرمز، الذي يمر عبره الجزء الأكبر من النفط الخام العالمي، يصبح اعتماد المغرب على الاستيراد الكامل للمحروقات نقطة ضعف واضحة.

وكانت “سامير” في السابق توفر مخزونًا استراتيجيًا قد يغطي أكثر من 50 يومًا من الاستهلاك الوطني، مما يجعل إحياؤها اليوم ليس محض رفاهية صناعية بل ضرورة أمنية تفرضها الظروف الدولية الراهنة.

ماذا عن المستقبل؟ مخاطر، فرص، ومسارات محتملة

في الوقت الراهن، لا تزال الخيارات مفتوحة، لكن كل مسار يحمل تداعياته:

  • استئناف التشغيل: يتطلب استثمارات ضخمة لإعادة تأهيل المصفاة وتجديد بنيتها التحتية بعد تسع سنوات من السكون والتقادم، إضافةً إلى حسم النزاعات القانونية.

  • الاستثمار الأجنبي: يقدم رافدًا ماليًا لكنه يثير تساؤلات حول السيادة والمصالح الاستراتيجية الوطنية في قطاع حيوي.

  • التأميم أو الشراكات الوطنية: قد يعزّز التحكم في سوق الطاقة لكن يتطلّب إرادة سياسية قوية وإصلاحات تنظيمية للسوق.

خلاصة: بين الماضي والرهانات المستقبلية

يبقى ملف “لاسامير” أكثر من مجرد ملف صناعي متعثر أو نزاع قانوني معقّد؛ إنه مَرآة لصراع مصالح حقيقي بين القضاء، السياسات الاقتصادية، لوبيات سوق الطاقة، والمصلحة الوطنية العليا. في لحظة تهتز فيها أسواق الطاقة العالمية وتتداعى فيها سلاسل الإمداد، لا يمكن للمغرب أن يتجاهل الدروس المستفادة من هذا الانتكاس الوطني، إذا كانت لديه رغبة حقيقية في تأمين طاقته وحماية اقتصاده ومستهلكيه من تقلبات الخارج.