“عودة حورية بوطيب وقوة الإعلام المغربي الناعمة نحو أمريكا اللاتينية: من الشاشة إلى الجسر الدبلوماسي”

0
73

بعد خمسة عشر عامًا من الغياب عن الواجهة الإخبارية، لا تبدو عودة حورية بوطيب مجرد حدث مهني عابر، بل أقرب إلى إعادة تموضع رمزي داخل مشهد إعلامي يتغير بسرعة، حيث لم تعد النشرات مجرد نقل للخبر، بل أدوات لصياغة النفوذ وبناء التمثلات. في هذا السياق، تأتي تجربتها الجديدة إلى جانب زبيدة الفتحي ضمن مشروع يتجاوز حدود الشاشة، ليقترب من منطق “الدبلوماسية الإعلامية” التي يراهن عليها المغرب في امتداده نحو أمريكا اللاتينية.

ما يجري داخل بلاطو القناة الأولى المغربية ليس مجرد تطوير في الشكل أو المحتوى، بل تحول في الوظيفة: من إعلام يخاطب الداخل إلى إعلام يعيد تعريف موقع المغرب في الجغرافيا الرمزية للعالم. فالاختيار الواعي للغة الإسبانية، وتوجيه البوصلة نحو الفضاء اللاتيني، يعكسان إدراكًا متناميًا بأن معارك التأثير لم تعد تُحسم فقط في العواصم السياسية، بل أيضًا في فضاءات الصورة والخطاب.

تجربة الثنائي الفتحي–بوطيب تشتغل على هذا التحول بذكاء مركّب؛ إذ تمزج بين خبرة ميدانية طويلة وقدرة تحليلية أكاديمية، ما يجعل المادة الإعلامية تتجاوز سطحية “الريبورتاج” نحو بناء سردية متماسكة عن المغرب في علاقته بالآخر. هنا، لا يتم تقديم الخبر كمعطى جاهز، بل كمدخل لإعادة تأويل العلاقات الدولية من زاوية ثقافية وإنسانية، حيث يصبح التلفزيون منصة لإنتاج المعنى، لا مجرد قناة لبثه.

اختيار البيرو كنقطة انطلاق لم يكن اعتباطيًا، بل يعكس رغبة في استكشاف مناطق نفوذ جديدة خارج الدوائر التقليدية. الحوار الذي أُنجز داخل الإقامة الدبلوماسية لسفير البيرو بالمغرب لم يكتفِ بالبعد الرسمي، بل انفتح على العمق الحضاري والثقافي، مستثمرًا عناصر مثل المطبخ البيروفي كوسيط رمزي للتقارب. وهو اختيار ذكي، لأن القوة الناعمة تُبنى غالبًا من التفاصيل الصغيرة التي تتجاوز السياسة نحو اليومي والإنساني.

في العمق، يتقاطع هذا المشروع مع الرؤية الأوسع التي يحملها المغرب في إطار المبادرة الأطلسية المغربية، حيث لم تعد الجغرافيا عائقًا، بل فرصة لإعادة تشكيل مجالات التأثير. وهنا، تتحول اللغة الإسبانية من مجرد أداة تواصل إلى رافعة استراتيجية، تسمح بإعادة تموقع المغرب داخل فضاء ثقافي–اقتصادي يمتد من شمال إفريقيا إلى عمق القارة اللاتينية.

إن ما تقدمه بوطيب والفتحي ليس فقط برنامجًا تلفزيونيًا، بل نموذجًا لكيف يمكن للإعلام العمومي أن يتحول إلى فاعل في السياسة الخارجية غير الرسمية. نموذج يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام بداية تشكل “عقيدة إعلامية” مغربية جديدة، تُدرك أن النفوذ في القرن الحادي والعشرين يُبنى بالصورة بقدر ما يُبنى بالمواقف؟

في هذا الأفق، تبدو عودة حورية بوطيب أقل ارتباطًا بالماضي، وأكثر انخراطًا في معركة المستقبل؛ معركة تُخاض بالكاميرا، لكنها تُحسم في خرائط التأثير.