غموض صحي يلفّ قمة هرم الحكم في أبوظبي: تساؤلات مفتوحة حول وضع محمد بن زايد وخلافته المحتملة

0
75

في لحظة سياسية حساسة تمر بها منطقة الشرق الأوسط، عاد اسم دولة الإمارات العربية المتحدة ليتصدر عناوين الأخبار، ليس بسبب تحرك دبلوماسي أو مبادرة إقليمية، بل نتيجة غموض غير مسبوق يحيط بالوضع الصحي لرئيس الدولة، محمد بن زايد آل نهيان، بعد سلسلة إشارات متناقضة بدأت بتغريدة رسمية من الرئاسة التركية وانتهت بصمت إعلامي إماراتي مطبق.

القصة بدأت بإلغاء زيارة كانت مبرمجة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى أبوظبي، وهي زيارة وُصفت في حينها بالمهمة على مستوى العلاقات الثنائية والملفات الإقليمية. غير أن ما أربك المشهد فعلاً لم يكن التأجيل في حد ذاته، بل مضمون تغريدة نُشرت على حساب الرئاسة التركية، تحدثت صراحة عن “عارض صحي” أصاب رئيس دولة الإمارات، مع تعبير أردوغان عن “حزنه” وتمنياته بالشفاء العاجل.

هذه التغريدة، التي لم تمكث طويلاً في الفضاء الرقمي، حُذفت لاحقاً دون أي توضيح رسمي، بالتوازي مع امتناع وسائل الإعلام التركية العمومية، وعلى رأسها TRT، عن الاستمرار في تناول الموضوع، رغم أنها كانت قد أشارت في البداية إلى مرض مفاجئ أصاب محمد بن زايد. حذف التغريدة وصمت الإعلام التركي فتحا الباب أمام أسئلة أكبر: هل كان الأمر مجرد خطأ بروتوكولي؟ أم تسريباً غير محسوب لمعلومة حساسة؟ أم أن الحقيقة أعمق مما يُسمح بتداوله علناً؟

في المقابل، حافظ الإعلام الإماراتي على خطه التقليدي في إدارة الأخبار السيادية، مكتفياً بالإشارة إلى اتصال هاتفي جرى بين محمد بن زايد وأردوغان، عبر وكالة أنباء الإمارات الرسمية “وام”، دون أي ذكر للوضع الصحي أو سبب إلغاء الزيارة. هذا التناقض بين روايتين رسميتين – تركية وإماراتية – عزز منسوب الشكوك، خاصة في ظل تداول واسع في كواليس الإعلام الإقليمي عن احتمال تعرض رئيس الدولة لـ“جلطة دماغية”، وهي فرضية لم تؤكدها أو تنفها أي جهة رسمية حتى الآن.

آخر ظهور علني لمحمد بن زايد كان قبل أيام قليلة من تفجر الجدل، عندما استقبل أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني في لقاء رسمي حظي بتغطية إعلامية كاملة. لكن منذ ذلك التاريخ، غاب رئيس دولة الإمارات عن المشهد، في توقيت بالغ الحساسية داخلياً وإقليمياً، ما جعل الغموض أكثر ثقلاً من مجرد شائعة عابرة.

وراء هذا الصمت، يبرز سؤال الخلافة كأحد أكثر الأسئلة تداولاً في الدوائر السياسية والإعلامية. فمحمد بن زايد، الذي أصبح حاكماً لأبوظبي في 13 ماي 2022 بعد وفاة شقيقه خليفة بن زايد، ثم رئيساً للدولة في اليوم الموالي، كان يدير الحكم عملياً منذ سنوات طويلة قبل ذلك، بحكم الوضع الصحي لسلفه. هذا السياق التاريخي يجعل من مسألة “الغياب الصحي” مسألة مألوفة في التجربة الإماراتية، لكنها في الوقت نفسه شديدة الحساسية بسبب طبيعة النظام وتركيبة السلطة داخل الاتحاد.

في هذا الإطار، لا يبدو اسم ولي عهد أبوظبي، خالد بن محمد بن زايد، بعيداً عن التداول. فقد عُيّن في هذا المنصب في مارس 2023، في خطوة فسّرها مراقبون حينها بأنها تسريع محسوب لانتقال السلطة داخل العائلة الحاكمة. خالد بن محمد، البالغ من العمر 44 سنة، راكم مساراً أمنياً وإدارياً لافتاً: من رئاسة جهاز أمن الدولة، إلى وزارة مستشار الأمن الوطني، ثم رئاسة مكتب أبوظبي التنفيذي، وهي مناصب تجعل منه الوريث الأكثر جاهزية من الناحية المؤسساتية.

غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بمن سيخلف محمد بن زايد، بل بكيفية إدارة لحظة الانتقال نفسها في حال تأكد تدهور الوضع الصحي للرئيس. فالإمارات، رغم استقرارها الظاهري، تُدار بتوازنات دقيقة بين العائلات الحاكمة في الإمارات السبع، وأي فراغ أو ارتباك في قمة الهرم قد ينعكس على السياسات الداخلية والخارجية للدولة.

ما يُقال اليوم في العلن أقل بكثير مما يُتداول في الكواليس. صمت أبوظبي الرسمي لا يعني بالضرورة عدم وجود مشكلة، كما أن حذف تغريدة أنقرة لا يعني بالضرورة أنها كانت خاطئة. بين الروايتين، يظل الرأي العام العربي أمام قصة غير مكتملة الفصول، عنوانها الأبرز: غياب المعلومة في زمن يفترض فيه أن تكون الشفافية هي القاعدة، لا الاستثناء.

في النهاية، قد يكون محمد بن زايد بصحة جيدة، وقد تكون كل هذه الضجة مجرد سوء تقدير إعلامي. لكن المؤكد أن الطريقة التي أُدير بها الخبر – من تسريب، إلى حذف، إلى صمت – تكشف أن مسألة الحكم في الإمارات ليست فقط شأناً داخلياً، بل ملفاً إقليمياً حساساً، تتحرك حوله الدبلوماسية بحذر، ويتابعه الإعلام بقلق، وينتظره الشارع العربي بأسئلة أكثر من الأجوبة.