غياب الجمعيات الفاعلة يكشف ثغرات المقاربة التشاركية في التنمية المندمجة

0
226
صورة: و.م.ع

لم يكن الضجيج الذي ملأ مواقع التواصل خلال الأيام الأخيرة مجرّد ردود فعل متفرقة لجمعيات “مقصيّة”، بقدر ما كان مؤشّرًا على أزمة أعمق تمسّ جوهر “المقاربة التشاركية” التي تتغنّى بها المؤسسات العمومية عند كل حديث عن التنمية. فالبيانات المتواترة التي صدرت عن جمعيات من الحسيمة إلى العيون، لم تكن مجرد احتجاجات على غياب دعوة لحضور اجتماع، بل كانت محاولة دقّ ناقوس الخطر: هل نحن أمام مشاورات ترابية أم أمام عملية “تنقيط” صامتة تتحكم فيها لوائح غير معلنة؟

المشهد يكشف مفارقة لافتة: من جهة، تعلن وزارة الداخلية، عبر المديرية العامة للجماعات الترابية، عن إطلاق نقاش جهوي حول الجيل الجديد من البرامج التنموية المندمجة، استجابة لتوجيهات ملكية تضع التنمية المحلية في صميم التحول المطلوب. ومن جهة أخرى، تُفاجأ عشرات الجمعيات بغيابها التام عن طاولة الحوار، رغم أنّ الدستور ــ منذ 2011 ــ جعل من الديمقراطية التشاركية أحد أعمدة الشرعية المؤسساتية.

فكيف يمكن إذن تفسير هذا التناقض؟

صوت الجمعيات: غضب يتجاوز لحظة “الإقصاء”

البيانات التي اطّلعت عليها هسبريس لم تكتفِ بالتنديد بـ “عدم الاستدعاء”. أغلب هذه التصريحات حملت ما يشبه نقدًا بنيويًا لبُنية العمل الجمعوي نفسه. فجمعيات بالحسيمة، مثل “أمازيغ صنهاجة الريف”، لم تُخفِ استياءها من “الإقصاء”، لكنها لم تتردد في الاعتراف بأنّ المشكل لا يكمن فقط في غياب الدعوة، بل في البيئة الجمعوية المعلّقة بين التسييس والقرابة العائلية.

تصريحات رئيس جمعية “أمازيغ صنهاجة الريف” تبدو صادمة في عمقها: الجمعيات تتناسل كالفطر، بعضها تحوّل إلى ملحقات انتخابية، وبعضها الآخر إلى إطار عائلي لا علاقة له بمنطق العمل المدني. هذه ليست مجرّد ملاحظة عابرة؛ إنها اتهام مبطّن لطريقة اشتغال المجتمع المدني، الذي يفترض أنه شريك في التشخيص والتنفيذ والتقييم.

إذا كان جزء مهم من الجمعيات لا يصدر تقارير، ولا يشتغل على تشخيص حاجيات الساكنة، ولا يمارس دور الوساطة، فكيف يمكن مساءلة غيابها عن المشاورات؟ وهل المشكلة في “الإقصاء” أم في فشل جزء من النسيج الجمعوي في إثبات جدارته التمثيلية؟

بين منطق الدعوة ومنطق المبادرة: من يجب أن يطرق باب الآخر؟

رغم هذا، يقدّم الأستاذ عباس الوردي قراءة أخرى تُوازن بين الطرفين. صحيح أن المقاربة التشاركية تستدعي إشراك الجميع، لكن الوردي يذكّر بأنّ المشاركة ليست امتيازًا تمنحه الإدارة، بل مسؤولية يجب أن تنتزعها الجمعيات. فالفاعل المدني ــ حسب قوله ــ كان عليه أن يذهب مباشرة إلى العمالات والأقاليم، وأن يصرّ على الحضور، لا أن ينتظر استدعاء قد يأتي أو لا يأتي.

هنا تبرز إشكالية أعمق: هل نعيش في ظل مقاربة تشاركية صورية تُشرك الجمعيات التي تعرفها الإدارة مسبقًا؟ أم أن الجمعيات نفسها لم تستوعب بعد أن التشريع الدستوري الجديد نقلها من خانة “الملحق” إلى خانة “الشريك”؟

في الحالتين، يبدو أن المشكل لا يتعلق بغياب رؤية، بقدر ما يتعلق بغياب ثقافة مؤسساتية جديدة لدى الإدارة والجمعيات معًا.

مشاورات تحت ضغط الزمن… أم تحت ضغط الشكلانية؟

المشاورات انطلقت منذ بداية نونبر، لكنها تجري في سياق زمني ضيق، لأن الهدف هو الشروع في تنفيذ البرامج مع مطلع السنة المقبلة. هذا الضغط يطرح سؤالاً محرجًا: هل الوقت المتاح يسمح فعلًا بتشخيص دقيق للحاجيات الترابية؟ أم أن الخطر يكمن في إعادة إنتاج نفس “البرامج الورقية” التي تُوقّع بسرعة وتُنفّذ ببطء؟

إذا كانت الدعوات وُزعت بشكل انتقائي، فإن ذلك يعني أن التشخيص نفسه قد لا يكون تعدديًا، وأن الرؤية التي ستقود التنمية قد تكون أحادية اللون، محدودة الخلفيات، غير قادرة على التقاط تنوع المجتمع.

وعندما تتحول المشاورات إلى مجرد بروتوكول مصاحب لورش تنموي جاهز مسبقًا، نكون أمام اختلال يضرب مفهوم التنمية في جذره: المشاركة ليست حضورًا في قاعة؛ المشاركة هي حضور في القرار.

هل نحتاج إلى إعادة تعريف “الفاعل المدني”؟

ما تكشفه هذه الأزمة ليس فقط ضعف التواصل بين الإدارة والجمعيات، بل غياب معايير واضحة تحدد من يمثل فعلاً المجتمع المدني. ففي بلد يتجاوز فيه عدد الجمعيات 200 ألف، يصبح السؤال شرعيًا:
من يملك الحق في الجلوس على طاولة صياغة التنمية؟
وهل معيار الاستدعاء هو الفعالية أم القرب أم الولاء؟
وهل يمكن الحديث عن “شراكة” دون إعادة هيكلة المجال الجمعوي نفسه؟

الأكيد أن المشاورات الحالية، رغم أهميتها، أعادت فتح نقاش أكبر من أي اجتماع عابر: نقاش حول هوية المجتمع المدني في المغرب، حدود استقلاليته، أدواره الحقيقية، وقدرته على المساهمة في التحول التنموي.

خلاصة تحليلية

ما يجري اليوم ليس مجرد خلاف تقني حول “دعوات لم تصل”. إنه نقاش حول شرعية التمثيل، ومصداقية المشاركة، ومفهوم التنمية نفسه.

والمفارقة أن هذه الأزمة تأتي في لحظة تُرفع فيها شعارات “الجيل الجديد من التنمية”.

لكن هذا الجيل لن يولد من مشاورات انتقائية، ولا من حضور بروتوكولي. سيولد فقط عندما يتم بناء جسر ثقة حقيقي بين الإدارة والفاعل المدني، وعندما يصبح المجتمع المدني قوة اقتراحية لا قوة صورية.