فكيك… عندما تتحول الحدود إلى بندقية ويصبح الفلاح عدواً في عقيدة النظام الجزائري

0
84

في منطقة تبدو للوهلة الأولى هامشية على خارطة السياسة الإقليمية، تتحول فكيك اليوم إلى نقطة توتر كثيفة الرمزية، حيث تختلط الجغرافيا بالذاكرة، والسيادة بالإرث الاستعماري، والميدان الفلاحي البسيط بحسابات الجيوش والعواصم. حادث إطلاق النار في منطقة “إيش” ليس مجرد واقعة أمنية عابرة، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الاحتكاكات الصامتة، التي تعيد إلى الواجهة سؤالاً قديماً جديداً: أين تبدأ الحدود بين المغرب والجزائر؟ ومن يملك شرعية رسمها وتثبيتها؟

ما جرى في إيش، وفق شهادات محلية متطابقة، يتجاوز منطق “الاستعراض العسكري” التقليدي إلى ما يشبه سياسة الترهيب الرمزي. فالفلاح الذي كان بالأمس منشغلاً بسقي أرضه أو رعي ماشيته، وجد نفسه فجأة في مواجهة فوهات البنادق، داخل مجال يعتبره تاريخياً وقانونياً امتداداً طبيعياً للأراضي المغربية. إطلاق النار في الهواء، في هذا السياق، لا يحمل فقط دلالة أمنية، بل رسالة سياسية مشحونة: فرض أمر واقع جديد على الأرض، دون إعلان حرب ودون مفاوضات، فقط عبر خلق شعور دائم بعدم الأمان.

غير أن خطورة الحدث لا تكمن في طابعه الميداني وحده، بل في خلفيته التاريخية المعقدة. فحدود فكيك ليست نتاج اتفاق ثنائي مغربي جزائري مستقل، بل نتيجة ترسيم استعماري فرنسي فرض منطق التقسيم الإداري على مجال قبلي واجتماعي كان موحداً في علاقاته الاقتصادية والبشرية. فرنسا، بوصفها القوة الاستعمارية السابقة، لعبت دور “المهندس الجغرافي” للحدود، دون أن تراعي الروابط التاريخية للساكنة ولا الامتدادات الطبيعية للمجال المغربي شرقاً. ومن هنا تنبع المفارقة: الجزائر، التي تشيد في خطابها الرسمي بمقاومة الاستعمار، تدافع عملياً عن حدود رسمها الاستعمار نفسه، وتعتبرها “خطوطاً مقدسة”.

الشرعية المغربية في هذا المجال لا تقوم فقط على منطق السيادة القانونية الحديثة، بل على عمق تاريخي واجتماعي موثق. فساكنة فكيك وإيش لم تكن يوماً منفصلة عن المجال المغربي، لا في البيعة، ولا في الإدارة التقليدية، ولا في الامتداد الاقتصادي. بل إن الذاكرة المحلية تحتفظ بمعطى أكثر حساسية: هذه المناطق كانت من بين الفضاءات التي احتضنت المقاومة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، وقدمت لها الدعم والمأوى، قبل أن تجد نفسها اليوم موضع اتهام وتهديد من الدولة التي نشأت باسم تلك المقاومة.

من هنا، يبدو السلوك الجزائري على الحدود وكأنه يعكس أزمة أعمق من مجرد خلاف ترابي. إنه تعبير عن ارتباك استراتيجي في التعامل مع المغرب، حيث يتم اللجوء إلى الضغط الميداني بدل الحوار السياسي، وإلى القوة الرمزية بدل الحلول القانونية. إعادة “ترسيم” الحدود من طرف واحد، تحت حماية السلاح، يطرح سؤالاً جوهرياً حول احترام مبادئ حسن الجوار، وحول مدى التزام الجزائر بالاتفاقيات الدولية التي تؤكد على حل النزاعات بالطرق السلمية.

في المقابل، يظهر الموقف المغربي أكثر حذراً، وربما أكثر براغماتية. فالدولة اختارت إلى حدود الآن ضبط النفس، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة، مع ترك المجال للمسارات الدبلوماسية والمؤسساتية. لكن هذا الحذر، على مستوى الساكنة المحلية، يُقرأ أحياناً كصمت مقلق، خاصة عندما يتحول الفلاح إلى ضحية محتملة في صراع يتجاوز قدرته على الفهم أو التحكم.

القضية إذن ليست مجرد “استفزاز حدودي”، بل اختبار حقيقي لطبيعة العلاقة المغربية الجزائرية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. فبينما ينشغل العالم بتوازنات كبرى، وحروب مفتوحة، ومشاريع تحالف جديدة، تعود الحدود المغاربية لتذكر الجميع بأن نزاعات ما بعد الاستعمار لم تُحل جذرياً، بل جرى فقط تجميدها تحت طبقة رقيقة من الخطاب السياسي.

في العمق، ما يحدث في فكيك هو صراع بين منطقين: منطق يعتبر الحدود نتاجاً تاريخياً قابلاً للنقاش والتفاوض، ومنطق يقدس خطوطاً رسمها المستعمر ويحولها إلى عقيدة أمنية. وبين هذين المنطقين، تقف الساكنة المحلية في وضع هش، محاصرة بين بندقية الجندي الجزائري وصمت الجغرافيا الدولية، مطالبة فقط بحق بسيط: أن تعيش فوق أرضها دون خوف، ودون أن تتحول إلى وقود في حرب رمزية لا ناقة لها فيها ولا جمل.