فيضانات المغرب ليست صدفة… دراسة دولية تكشف الوجه الجديد لأزمة المناخ في غرب المتوسط

0
120
صورة: و.م.ع

في لحظةٍ تتزايد فيها المؤشرات العلمية على تسارع التحولات المناخية في حوض البحر الأبيض المتوسط، أعادت دراسة حديثة صادرة عن World Weather Attribution تسليط الضوء على موقع المغرب داخل خريطة الدول الأكثر تأثراً بسلسلة العواصف العنيفة التي ضربت غرب المتوسط منذ منتصف يناير الماضي. غير أن القراءة المتأنية لنتائج هذه الدراسة لا تقتصر على توصيف ظاهرة مناخية عابرة، بقدر ما تفتح الباب أمام نقاش أعمق حول تداخل العوامل المناخية مع اختيارات التهيئة العمرانية ونماذج التنمية المحلية، وما ينتج عن ذلك من هشاشة بنيوية أمام الكوارث الطبيعية.

فالدراسة التي أنجزها فريق دولي من الباحثين بهدف قياس العلاقة بين الأنشطة البشرية وتسارع التغير المناخي، تكشف أن المغرب وجد نفسه في قلب سلسلة من العواصف المطرية غير المسبوقة، تركزت آثارها خصوصاً خلال أواخر يناير وشهر فبراير، حيث شهدت مناطق واسعة في الشمال الغربي فيضانات كبيرة. وقد برزت مدينة القصر الكبير كإحدى أكثر النقاط تضرراً، بعدما اجتاحت السيول أحياءً ومناطق سكنية، ما استدعى إجلاء آلاف السكان نحو مراكز إيواء مؤقتة. كما سجلت مناطق بإقليم آسفي أضراراً مادية جسيمة طالت المنازل والبنية التحتية، إضافة إلى سقوط ضحايا.

لكن خلف هذه المشاهد الميدانية، تشير المعطيات العلمية إلى تحولات أعمق. فبحسب الدراسة، لم تكن الرياح العاتية هي العامل الرئيسي في حجم الدمار، بل الأمطار الغزيرة ذات الكثافة المرتفعة التي رافقت كل عاصفة، حيث تجاوزت كميات التساقطات في بعض المناطق المعدلات التاريخية المسجلة خلال يوم واحد. ومع نهاية الموسم الشتوي، أصبحت التربة مشبعة بالمياه بشكل كامل، ما جعل قدرتها على امتصاص المزيد من الأمطار محدودة للغاية، وهو ما أدى إلى تضاعف سرعة تشكل السيول واتساع رقعة الفيضانات.

ولفهم حجم هذا التحول، اعتمد الباحثون على تحليل علمي لمؤشر “أقصى كمية مطر خلال 24 ساعة” في النصف الشتوي من السنة الممتد بين أكتوبر ومارس، داخل ثلاث مناطق جغرافية متجاورة: شمال المغرب، وشمال غرب إسبانيا وشمال البرتغال، إضافة إلى جنوب غرب إسبانيا وجنوب البرتغال. وقد أظهرت النتائج ارتفاعاً لافتاً في شدة الأمطار يصل إلى نحو 36 في المائة في المنطقة الجنوبية التي تضم المغرب وجنوب إسبانيا، مقابل زيادة بحوالي 29 في المائة في المنطقة الشمالية، مقارنة بالمعدلات المسجلة منذ خمسينيات القرن الماضي.

هذه الأرقام لا تعني فقط زيادة كمية المطر، بل تشير إلى تغير في طبيعة الظواهر الجوية نفسها. فبعض العواصف التي شهدتها المنطقة تُصنف إحصائياً ضمن الظواهر النادرة التي قد لا تتكرر إلا مرة واحدة كل قرن. غير أن تكرارها في فترات زمنية أقصر نسبياً يطرح تساؤلات جدية حول تسارع تأثيرات التغير المناخي في حوض المتوسط، الذي بات يصنف علمياً كأحد “النقاط الساخنة” عالمياً للتغير المناخي.

غير أن العامل المناخي وحده لا يفسر حجم الخسائر المسجلة. فالدراسة نفسها تشير بوضوح إلى دور التوسع العمراني غير المنضبط في تعميق آثار الكوارث. ففي المغرب، كما في عدد من دول الجنوب المتوسطي، توسعت المدن خلال العقود الماضية في اتجاه السهول الفيضية والأحواض الطبيعية للأودية، وهي مناطق بطبيعتها مهيأة لاستيعاب المياه خلال فترات الأمطار الغزيرة. ومع تحول هذه المساحات إلى أحياء سكنية أو مناطق عمرانية كثيفة، أصبحت الفيضانات لا تضرب فقط المجال الطبيعي بل تضرب مباشرة النسيج الحضري والسكان.

ويزداد هذا الوضع تعقيداً بسبب عامل اجتماعي لا يقل أهمية، يتمثل في هشاشة جزء من السكان الذين يعيشون في مناطق تفتقر إلى بنية تحتية قادرة على امتصاص الصدمات المناخية، سواء من حيث شبكات تصريف المياه أو جودة البناء أو التخطيط الحضري طويل المدى. وهنا يتحول الحدث المناخي إلى أزمة تنموية متعددة الأبعاد، تختلط فيها الجغرافيا بالمجال الاجتماعي والاقتصادي.

ورغم خطورة هذه المعطيات، تسجل الدراسة نقطة إيجابية لافتة، تتمثل في الدور الذي لعبته أنظمة الإنذار المبكر في تقليص الخسائر البشرية. فقد ساهمت التحذيرات الجوية وعمليات الإجلاء الاستباقية في المغرب وإسبانيا والبرتغال في إنقاذ عدد كبير من الأرواح، وهو ما يؤكد أن الاستثمار في منظومات الرصد والتوقع المناخي يمكن أن يحدث فرقاً حقيقياً في إدارة الكوارث.

لكن الرسالة الأهم التي تحملها الدراسة تتجاوز إدارة الأزمات إلى ضرورة إعادة التفكير في السياسات الوقائية. فالباحثون يشددون على أهمية تحسين التنسيق بين أنظمة الإنذار والاستجابة على المستويين الوطني والمحلي، ودمج المعطيات المناخية المستقبلية في التخطيط العمراني وقوانين البناء، مع اتخاذ تدابير صارمة للحد من البناء في المناطق الأكثر عرضة للفيضانات.

وفي خلفية هذه التوصيات، يبرز نقاش استراتيجي أكبر: هل يمكن للدول المتوسطية، ومن بينها المغرب، الاستمرار في التعامل مع الفيضانات باعتبارها أحداثاً طارئة، أم أن التحولات المناخية الحالية تفرض الانتقال إلى نموذج جديد من التخطيط الحضري يقوم على مبدأ “التكيّف المناخي”؟

ذلك أن الكلفة الاقتصادية للكوارث المناخية لم تعد مرتبطة فقط بحجم الخسائر المباشرة، بل بما تفرضه من أعباء طويلة الأمد على البنية التحتية والاقتصاد المحلي. ولهذا تؤكد الدراسة أن الاستثمار في الوقاية والتكيف مع التغير المناخي يظل أقل كلفة بكثير من إعادة الإعمار بعد وقوع الكوارث، خاصة في مناطق تتوقع النماذج المناخية أن تشهد مستقبلاً مزيداً من الظواهر الجوية المتطرفة.

وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو الفيضانات الأخيرة في المغرب أكثر من مجرد حادث مناخي عابر؛ إنها مؤشر على مرحلة جديدة من التحديات البيئية التي ستفرض على صناع القرار إعادة صياغة العلاقة بين المدينة والطبيعة، وبين التنمية والبيئة، في زمن يتغير فيه المناخ بوتيرة أسرع مما اعتادت عليه السياسات العمومية.