“فيضانات سبو” في المغرب: بين هشاشة الإدارة ومأزق صناعة القرار

0
93

تحت سماء شتوية ثقالتها وهموم أهل الغرب المغربي، تتكرر كل سنة تقريبًا مشاهد فيضان واد سبو في سهل خصب يربط بين جبال الأطلس والبحر الأطلسي، من سيدي قاسم غربًا وصولاً إلى قصر الكبير شمالًا. هنا لا تتوقف مياه الأمطار، بل تتراكم في أحواض السدود لتنقلب فجأة إلى كابوس يغرق الدواوير، ويقطع الطرق، ويهدد حياة الناس ومصادر رزقهم.

جذور الأزمة: من الطبيعة إلى الحكامة

في قلب هذه الحكاية يبقى واد سبو نهرًا استراتيجيًا في شمال المغرب، يمد سهل الغرب بالمياه ويوفر لعشرات الآلاف فرص الفلاحة وتربية الماشية، لكنه في الوقت ذاته معرض للفيضانات حين تتكامل موجات الأمطار الغزيرة مع فيضانات روافده. تاريخيًا تعرّضت المنطقة لفيضانات كبيرة في 2009 و2010، حين خرجت مياه سبو عن ضفافه بعد أمطار غزيرة، وغمرت المنازل وقطعت الاتصالات بين الدواوير، ودفعت السكان إلى الاختباء في مساكنهم أو الفرار طلبًا للنجاة.

في تلك السنوات، لم تكن آليات التحكم في الماء، بما فيها السدود والترع، كافية لتخفيف خطر الفيضانات، ورغم أن سدودًا كبرى مثل سد الوحدة (Al Wahda) صممت أصلاً لتخزين المياه ومنع الفيضانات وتلبية الاحتياجات الزراعية والكهرومائية، فإن قدرتها كانت تتجاوزها تدفقات هيدرولوجية غير متوقعة، ما جعل السيول تمتد نحو الأراضي المنخفضة وتغرق الطرق والمسالك.

الطريق السيار والمياه: أين تعطّل المشروعات المائية؟

في السنوات التي تلت 2010، حاولت الدولة تعزيز البنى التحتية، فبُنيت طرق سريعة وجسور وممرات مائية، لكن مشاريع الطرق والسيولة المائية لم تأخذ بالضرورة في الاعتبار كل السيناريوهات المناخية المتطرفة أو حوكمة الفيضانات كجزء لا يتجزأ من التخطيط الهيكلي. للساكنة في المناطق القروية، أدى ذلك إلى أن بعض الطرق، خاصة تلك التي تربط دواوير بعيدة بمراكز أقاليم مثل سيدي سليمان وأولاد حسين، زُجرت مئات المرات تحت ضغط المياه، ما جعلها غير قابلة للاستعمال، وغالبًا ما يُعاد شق مسارات بدائية لهروب المياه بدلًا من بنى مقاومة فعلية.

“صندوق الكوارث”: أداة لإغاثة متأخرة أم هروب من الوقائع؟

في صلب الجدل الراهن بعد كوارث مثل فيضانات آسفي القاتلة وارتفاع منسوب مياه سبو يأتي الحديث عن الصندوق المغربي للتضامن ضد الوقائع الكارثية، الذي تأسس في إطار القانون رقم 110-14 ليكون آلية مالية لتعويض المتضررين من الزلازل والفيضانات والكوارث الطبيعية حين تُعلنها الحكومة “واقعة كارثية”.

لكن الواقع العملي كشف ما يشبه عنق الزجاجة البيروقراطية: فحتى إن تعرضت منطقة لكارثة طبيعية، فإن القانون يشترط شروطًا صعبة مثل مدة فيضانات طويلة أو إعلان رسمي بوجود “كارثة وطنية”، ما جعل العديد من المتضررين يفشلون في الاستفادة من تعويضات الصندوق، حتى في حالات مثل فيضانات آسفي التي أدت إلى وفاة عشرات المواطنين وخسائر مادية كبيرة.

السياسيون والمراقبون انتقدوا هذا الإطار، معتبرين أن الصندوق صار أداة تدابير شكلية لا تعالج الضرر الفعلي، بل يؤخر المساعدات المالية ويضع شروطًا تعجيزية أمام الأسر المتضررة، ما أثار تساؤلات عن جدوى هذا الصندوق في الميدان مقارنة مع ما وُعد به عند تأسيسه.

سلبيات الاستجابة الإدارية: بين التأخر والحلول المؤقتة

من أعماق دواوير الرميلات والعبييات إلى مشارف أولاد حسين، عبّر السكان عن مزيج من الإحباط والتعجب. فبينما حوّلت السلطات بعض المدارس إلى أماكن إيواء مؤقتة للنازحين، وتأخرت عمليات الإجلاء أحيانًا بسبب “مقاومة” السكان خشية على ماشيتهم ومحاصيلهم، ظل النقاش يتجه إلى سؤال مركزي: لماذا لم تكن خطط إدارة مخاطر الفيضانات أكثر استعدادًا؟

خبراء في السياسات المائية يرون أن المشاكل ليست في نقص الموارد أو الإمكانيات، بل في الحكامة وإدارة ما قبل الأزمة بدلًا من رد الفعل بعد وقوعها، كما أكد ذلك تحليل حديث يشير إلى أن المغرب لم يتبنَّ بعد نهجًا استباقيًا قويًا في مواجهة الفيضانات، ما يجعل كل أزمة تبدو “مفاجئة” رغم تكرارها عبر العقود.

الخسائر الإنسانية والمادية: أكثر من مجرد أرقام

في النهاية، تبقى الفيضانات جزءًا من واقع يتشكل تحت تأثير التغيرات المناخية والتوسع العمراني غير المنضبط والتحكم المائي غير المتكامل. منازل مغمورة، ماشية محاصرة في أحواض المياه، محاصيل زراعية مدمرة، وطرق مشلولة هي الصورة التي لا تُنسى في دواوير تكررت بها الكارثة، ومعها تكررت الأسئلة عن من يعوّض من؟ وعن كيفية تحويل الاستجابة من تدبير الطوارئ إلى حماية مستدامة للمواطنين.

في هذا السياق، يظل دور صندوق الكوارث محط تساؤل: هل هو أداة حقيقية للإنقاذ والتعويض؟ أم مجرد وعد قانوني يصطدم بواقع معقد يحتاج لأكثر من آليات مالية؟ سؤال يبقى مفتوحًا حتى يتمكن المغرب من صياغة سياسات ذكية وشاملة لإدارة مخاطر الكوارث بدلًا من تكرار نفس السيناريو في كل شتاء.