في قلب معركة الميزانية المغربية: لماذا ترتفع احتياجات الخزينة؟ تفسير تقرير وزارة المالية بعيون الصحافة والتحليل

0
308

وزارة المالية: بين أرقام الخزينة وواقع الاقتصاد المغربي

في أروقة وزارة الاقتصاد والمالية، حيث يُقَيَّم كل درهم وتُوزن كل نقطة مئوية، صدر يوم 19 دجنبر 2025 بلاغ لا يثير ضجيجًا واسعًا، لكنه يُلقي الضوء على واقع مالي لا يمكن تجاهله: احتياجات خزينة الدولة لشهر دجنبر قد تتراوح بين 7 و7,5 مليارات درهم.

رقم يبدو على الظاهر عاديًا، لكنه في العمق وميض يكشف عن صراع مستمر مع السيولة والتمويل العام. فالمديرية العامة للخزينة والمالية الخارجية تعلن عن اللجوء إلى سوق مناقصات قيم الخزينة لتعبئة هذا المبلغ، الآلية التقليدية لتغطية العجز المؤقت وضمان دفع النفقات في آجالها القانونية.

المال العام تحت الضغط

قبل دجنبر، كانت احتياجات الخزينة في نونبر تتراوح بين 10 و10,5 مليارات درهم. الانخفاض النسبي لا يعكس تحسنًا، بل تذبذبًا مستمرًا في السيولة، ناتج عن توسع النفقات أو تباطؤ التحصيل الضريبي، في وقت يسعى فيه المغرب إلى تطوير بنيته التحتية وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وسط ظروف اقتصادية عالمية غير مستقرة.

عجز الميزانية يتسع

بنهاية نونبر 2025، بلغ العجز نحو 68,8 مليار درهم، ارتفاعًا كبيرًا مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي. هذا العجز ليس مجرد فرق بين الإيرادات والنفقات، بل يشمل تكاليف أكبر لخدمة الدين العام (فوائد وعمولات).
النتيجة: الحاجة المستمرة إلى التمويل عبر سوق النقد، ليست خيارًا بل واقعًا لا مفر منه.

دين عام لا ينام

المغرب ليس غريبًا عن اللجوء إلى أدوات الدين لتغطية الفجوات المالية. في مشروع قانون مالية 2025، ارتفعت نفقات فوائد وعمولات دين الخزينة إلى أكثر من 45 مليار درهم، فيما بلغ حجم الدين العام أكثر من 1.053 تريليون درهم.
هذه الأرقام ليست مجرد بيانات جافة، بل سجل تاريخي متراكم يظهر اعتماد الدولة على الاقتراض لسد الفجوات المالية، بينما تتحمل عبء الدين نفسه.

تفوّق الحاجة على الحكامة

إعلان الحكومة عن احتياجات خزينة غير مألوفة في دجنبر، شهر يتميز عادة بتحسن الإيرادات، يعكس توتر السيولة، وقد يكون نتيجة:

  • ارتفاع النفقات الاجتماعية (التعليم، الصحة، برامج الدعم).

  • استثمارات كبرى في البنية التحتية رغم الظروف الدولية غير المواتية.

  • تراجع غير كافٍ في العجز الضريبي مقابل الوعود الإصلاحية.

من منظور المواطن، هذا يترجم إلى تصاعد الضرائب، تذبذب الخدمات العمومية، واعتماد على الدين كحل مؤقت، ما يخلق إحساسًا بأن الحكومة في سباق مع الزمن للحفاظ على التوازن المالي.

مقارنة بالماضي

خلال السنوات الأخيرة، شهدت البلاد توسعًا في برامج الحماية الاجتماعية، وزيادة في الإنفاق الاستثماري، كل ذلك في ظل ظروف اقتصادية عالمية صعبة. هذا المزيج يجعل التمويل الحكومي تحديًا دائمًا، ويضع كل تحرك مالي ضمن سياق أوسع يتجاوز الأرقام الشهرية.

النمو في الإيرادات مقابل ازدياد الإنفاق

المداخيل الضريبية ارتفعت بنحو 15,8% بنهاية نونبر 2025، لكنها لم تواكب ارتفاع النفقات العامة (+13,5%)، خاصة البنود التشغيلية والاستثمارية وأقساط خدمة الدين.

كل زيادة في الإيرادات الضريبية لا تعادل بالضرورة نمو القدرة الشرائية للمواطنين، ما يخلق فجوة بين السياسة المالية والواقع الاجتماعي.

قراءة تاريخية وقانونية

المالية العامة المغربية نتاج تراكمات سنوات طويلة. مع تباطؤ النمو العالمي وتصاعد الضغوط الاجتماعية، أصبحت الهوامش التقليدية للميزانية غير كافية لسد الفجوات. القانون المالي يفرض استراتيجيات لسد العجز وتقليص الاعتماد على الاقتراض، لكن التطبيق العملي يبقى رهين توازنات سياسية واجتماعية.

ماذا يعني هذا للمواطن؟

الإعلان عن احتياجات خزينة 7–7,5 مليارات درهم ليس مجرد رقم:

  • إنه طلب تمويل لتغطية الالتزامات الأساسية.

  • إشارة إلى أن النمو الحالي لا يولد موارد كافية لتغطية النفقات.

  • تحذير من استمرار العجز وتفاقم الدين العام.

خلاصة

بلاغ وزارة المالية هو نداء صامت: الحكومة تكافح لتوفير التمويل، الاقتصاد الوطني يعتمد على الاقتراض لتغطية الفجوات، والموارد الضريبية لا تزال عاجزة عن مواجهة الإنفاق المتزايد.
الأرقام لا تخدع: الحكومة لا تفزعنا، لكنها توقظنا لتفكر في أولويات الاستثمار، العدالة الاجتماعية، وإصلاح منظومة المالية العامة بعيدًا عن الاعتماد المزمن على الاقتراض.