في لحظة اختبار سياسي: سبتة ومونديال 2030 بين رمزية الرياضة وحسابات السيادة

0
96

يطرح تحرك الحزب الشعبي الإسباني لإدراج مدينة سبتة ضمن الفضاءات المقترحة لاحتضان أنشطة مرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030، سؤالاً يتجاوز الإطار الرياضي ليصل إلى قلب التوازنات السياسية والدبلوماسية التي تؤطر الشراكة المغربية–الإسبانية. فالمبادرة، التي حظيت بموافقة لجنة برلمانية في مجلس الشيوخ دون معارضة، تبدو في ظاهرها دعوة رمزية لمدينة ذات طابع تاريخي وثقافي متعدد، لكنها في عمقها تعكس توظيفاً سياسياً لحدث كروي عالمي في سياق حساس يرتبط بقضية سيادية عالقة ومجال جغرافي محل جدل دائم.

في التفاصيل، اقترح الحزب الشعبي، الذي يقود الحكومة المحلية في سبتة ويتمتع بثقل برلماني وازن، أن تُدرج المدينة كموقع لاحتضان أنشطة ثقافية ومؤسساتية واستراتيجية ضمن فعاليات المونديال الثلاثي المشترك بين المغرب وإسبانيا والبرتغال. ولا يتضمن المقترح – بحسب أصحابه – إقامة مباريات أو إنشاء بنى تحتية رياضية جديدة، بل يقتصر على فعاليات موازية من لقاءات ومعارض واجتماعات تقنية، في محاولة لتقديم المبادرة باعتبارها “واقعية” وغير تصادمية مع الإطار التنظيمي المتفق عليه مسبقاً.

غير أن القراءة السياسية الأعمق تكشف أن اختيار التوقيت والمضمون ليس بريئاً بالكامل. فإدخال سبتة، بوصفها مدينة ذات وضع قانوني خاص وخاضعة للسيادة الإسبانية ومحل خلاف تاريخي مع المغرب، إلى معادلة تنظيم حدث دولي تشاركي، يحمل دلالات رمزية قوية. إذ إن ربط المدينة بمشروع مشترك مع المغرب والبرتغال، حتى في صيغة أنشطة ثقافية فقط، قد يُفهم داخلياً وخارجياً كخطوة لتكريس حضورها ضمن سردية إسبانية استراتيجية تستثمر الحدث الرياضي لإعادة تأكيد الحضور السياسي والرمزي في المنطقة.

من جهة أخرى، يظهر موقف الحزب الاشتراكي العمالي، بقيادة رئيس الحكومة بيدرو سانشيز، أكثر تحفظاً وحذراً. فالتصريحات الصادرة عن الحزب تشير إلى أن تحديد مواقع وفضاءات المونديال يخضع لإطار مؤسساتي وتقني متفق عليه، ويرتبط بمعايير البنية التحتية والنقل والأمن والتخطيط الدولي، وليس بقرارات سياسية أحادية داخل اللجان البرلمانية. هذا الرد يعكس إدراكاً بأن أي توسع في تفسير نطاق الاستضافة قد يفتح باباً لتأويلات سياسية حساسة، قد تؤثر على مسار التعاون الثلاثي أو تضع الحكومة المركزية في موقف دبلوماسي دقيق.

في الجوهر، تبدو القضية جزءاً من صراع أوسع حول توظيف الفضاء الرياضي كأداة للرسائل السياسية. فالمونديال، رغم طابعه الكروي، يتحول في سياقات كهذه إلى منصة لإعادة تعريف الرموز والمجالات المتنازع عليها، أو على الأقل لإعادة طرحها في سياق جديد أقل حدّة وأكثر قابلية للتسويق الدولي. غير أن نجاح هذا التوجه يعتمد على قدرة الأطراف المعنية على الفصل بين الحسابات الداخلية والالتزامات المشتركة التي تفرضها الشراكة مع المغرب والبرتغال.

وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يمكن لمدينة تحمل هذا الثقل التاريخي والسياسي أن تُدرج في مشروع رياضي عالمي دون أن تتحول إلى عنصر توتر إضافي في معادلة دبلوماسية دقيقة؟ أم أن المبادرة ستظل في إطارها الرمزي المحدود، كخطوة اختبار لحدود المرونة السياسية داخل المشهد الإسباني؟

بذلك، يتضح أن ما يبدو مجرد مقترح يتعلق بأنشطة ثقافية ضمن مونديال 2030، يحمل في طياته أبعاداً تتجاوز الملعب والفعاليات الاحتفالية، ليعكس تداخلاً بين السياسة والرياضة والهوية والموقع الجغرافي، في لحظة إقليمية تتسم بحساسية عالية وترقب مستمر لتطورات العلاقة بين الرباط ومدريد.