مئات الصفقات والمناقصات الصورية تحت المجهر… أين يتجه المال العمومي داخل الجماعات الترابية؟

0
68
صورة: و.م.ع

فيما يتواصل فتح ملفات أبحاث إدارية موسعة داخل عدد من العمالات والأقاليم، تعكس المعطيات المتداولة حجم اختلالات متراكمة مرتبطة بتدبير المال العام وتفويت العقار واستغلال النفوذ، يبرز سؤال جوهري يتجاوز حدود المتابعة الإدارية الظرفية إلى جوهر المنظومة: كم من الأموال العمومية تُهدر أو تُمرَّر عبر مسارات مشبوهة، وكم من الثروات المحلية تُستنزف في صمت، ثم تُطوى الملفات بسرعة وتُنسى الوقائع كما لو أنها لم تكن؟

المعطيات القادمة من جهات الدار البيضاء–سطات ومراكش–آسفي والرباط–سلا–القنيطرة وفاس–مكناس تشير إلى تسريع إدارات ترابية، بتوجيه من المصالح المركزية لوزارة الداخلية، لأبحاث حول “استثمارات” رؤساء جماعات ومستشارين، على خلفية تقارير وشكايات تتعلق بخروقات تعميرية شابت مشاريع سكنية وصناعية في ملكية منتخبين. وتكشف المؤشرات أن هذه التحقيقات لا تقتصر على رصد مخالفات تقنية في رخص التجزيء أو الربط الطرقي، بل تمتد إلى تمحيص شبكات مصالح متداخلة بين القرار الجماعي والمصلحة الخاصة.

الملف لا يتعلق بحالات فردية معزولة، بل بظاهرة تتكرر في عدة نفوذ ترابية، حيث أُعيد فتح مشاريع مرتبطة بمنتخبين في ولايات جماعية سابقة وحالية، بعد توصل المصالح المركزية بشكايات تتهمهم باستغلال النفوذ للحصول على امتيازات في شروط الاستفادة من الرخص. الأخطر في هذه المعطيات هو ما تم رصده من شبهات ابتزاز مستثمرين، والتصرف في عقارات عمومية بآليات غير شفافة، إضافة إلى تبادل منافع وتفويتات مشبوهة تستدعي إخضاعها لرقابة قضائية أعمق.

وتشير التقارير الإدارية الجارية إلى تركيز خاص على تجزئات سكنية وصناعية تعود ملكيتها إلى رؤساء مجالس ونواب ومستشارين، حيث تم تسجيل اختلالات في تجهيز البنيات التحتية، وغياب التزام فعلي بربط الشوارع والمرافق العمومية وفق المعايير القانونية. وقد برز إقليما برشيد ومديونة ضمن المناطق التي شهدت، وفق المعطيات المتداولة، انتشار “استثمارات” مرتبطة بمنتخبين استفادوا من مواقع القرار لترتيب شروط أفضل لمشاريعهم العقارية.

هذا التداخل بين الصفة الانتخابية والنشاط الاقتصادي الخاص يفتح الباب أمام إشكال عميق يتعلق بتضارب المصالح، خصوصا عندما تتحول الجماعات التي يفترض أنها مؤسسات لتدبير الشأن العام إلى فضاءات تمرر عبرها صفقات ومشاريع لمقاولات مرتبطة مباشرة بمنتخبين. وتظهر الأبحاث أن مئات الصفقات العمومية قد مرت، وفق ما رُصد، نحو شركات مملوكة أو مرتبطة بذات الفاعلين المحليين، في مسارات شابها غياب بعض الضوابط الجوهرية مثل تعيين لجان شفافة لفتح الأظرفة أو حفظ وثائق المنافسين أو توثيق جداول الإنجاز والمشتريات.

الأخطر في هذا المشهد أن بعض التقارير تحدثت عن مناقصات صورية، واستعمال آليات قانونية بشكل شكلي لتغطية تمرير صفقات مسبقة الترتيب، ما يضع المال المحلي في دائرة المخاطر المباشرة، ليس فقط من زاوية الاختلاس الصريح، بل من زاوية تضخم الكلفة وغياب المنافسة الحقيقية. فاحتكار شركات مرتبطة برؤساء لجانب واسع من صفقات التجهيز والأشغال والتموين يؤدي عملياً إلى رفع الأسعار بشكل غير مبرر، ويقوض مبدأ تكافؤ الفرص داخل السوق المحلية.

وإلى جانب ذلك، تكشف الشكايات المتداولة عن حالات تبادل منافع عقارية، حيث يتم توظيف النفوذ داخل المجالس لتمرير امتيازات مرتبطة بتجزئات في ملك رؤساء جماعات داخل نفوذهم الترابي، رغم افتقار بعضها إلى التجهيزات الأساسية. وفي المقابل، يشتكي أصحاب تجزئات مجاورة من استيلاء المرافق العمومية في بعض الحالات على مساحات واسعة من أراضيهم، تصل – حسب ما تم تداوله – إلى نسب مرتفعة من المساحات المملوكة، دون تعويض عادل أو تسوية شفافة.

إن هذا النوع من الملفات يطرح سؤالاً أوسع حول حجم الأموال العمومية التي تضيع سنوياً بين سوء التدبير وضعف المراقبة وتضارب المصالح، فضلاً عن الثغرات التي تسمح بتمرير قرارات مالية وعقارية دون مساءلة حقيقية. فحتى عندما تُفتح الأبحاث وتُحال بعض الملفات إلى القضاء، غالباً ما يطغى إيقاع بطيء في المتابعة، فتتراجع التغطية الإعلامية، ويخفت الاهتمام العمومي، ثم تعود الدورة نفسها مع ملفات جديدة.

المعضلة لا تكمن فقط في رصد الخروقات، بل في استدامة المحاسبة وضمان عدم إفلات المسؤولية من العقاب، وإرساء شفافية فعلية في تدبير الصفقات والتجهيزات العقارية. فاسترجاع الثقة في الشأن المحلي يمر عبر رقابة مؤسساتية صارمة، ونشر المعطيات المتعلقة بالمال العام بشكل دوري، وربط المسؤولية بالمحاسبة دون انتقائية.

وفي غياب هذا المسار الإصلاحي العميق، تبقى الأسئلة معلّقة: هل تتحول هذه الأبحاث إلى مخرجات قضائية واضحة تعيد الاعتبار لقواعد الحكامة؟ أم أنها ستظل حلقات ضمن سلسلة ملفات تُفتح إعلامياً ثم تُطوى ببطء داخل الأرشيف الإداري، فيما يستمر النزيف المالي بصيغ مختلفة، ويستمر النسيان الجماعي الذي يطبع الذاكرة العمومية؟