مشروع قانون أمريكي لتصنيف البوليساريو منظمة إرهابية: تحوّل تشريعي أم ورقة ضغط استراتيجي؟

0
287

في مشهد يعكس تزايد التداخل بين الدينامية التشريعية الأمريكية والصراعات الإقليمية في شمال إفريقيا، أعلن النائب الجمهوري جو ويلسون، رفقة النائب الديمقراطي جيمي بانيتا، عن تقديم مشروع قانون إلى الكونغرس يصنّف جبهة البوليساريو “منظمة إرهابية أجنبية”، في مبادرة تُعدّ الأولى من نوعها في الساحة التشريعية الأمريكية تجاه ملف الصحراء.

الخطوة أثارت اهتمام المراقبين، ليس فقط بسبب مضمونها السياسي-الأمني، ولكن أيضًا لأنها تعكس تقاربًا نادرا بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي في قضية خارجية معقدة، عادة ما كانت تُدار بقدر عالٍ من الحذر في دوائر القرار الأمريكي.

من مناورة رمزية إلى تحوّل استراتيجي؟

بعيدًا عن الطابع الإعلامي لتغريدات جو ويلسون، الذي وصف الجبهة بـ”الميليشيا الماركسية المدعومة من إيران وحزب الله وروسيا”، فإن هذا المقترح التشريعي يعكس تراكما لخطاب أمريكي جديد يتقاطع مع تحليلات مراكز بحث محافظة، على رأسها مؤسسة “هيريتيج”، والتي كانت قد أصدرت تقريرًا مطولاً يدعو إلى التعامل مع البوليساريو كذراع لوجستي وعسكري ضمن شبكة “محور المقاومة” الممتدة بين طهران وبيروت وفنزويلا، مرورًا بالساحل الإفريقي.

التقرير ذاته – الذي استند إليه المقترح – يستحضر معطيات أمنية وعسكرية، أبرزها استخدام الجبهة لطائرات مسيرة إيرانية، وتورطها في شبكات تهريب يُعتقد أنها تموّل جماعات إرهابية في الساحل، إلى جانب حادثة إسقاط طائرتين أمريكيتين سنة 1988، والتي أودت بحياة خمسة أمريكيين دون أي رد أمريكي يُذكر آنذاك.

أسئلة مفتوحة: هل نحن أمام تحول نوعي في الموقف الأمريكي من ملف الصحراء؟

رغم أن المقترح لم يتحول بعد إلى قانون نافذ، فإن مجرد طرحه في الكونغرس يثير عدة تساؤلات:

  • هل يرمز إلى تحول تشريعي حقيقي أم أنه أداة ضغط مرحلية موجهة ضد خصوم واشنطن الإقليميين؟

  • هل يندرج هذا التحرك ضمن استراتيجية أمريكية أوسع لمواجهة التمدد الإيراني-الروسي في إفريقيا، خصوصًا عبر نافذة الساحل والصحراء؟

  • وإلى أي مدى يمكن اعتبار هذا المقترح تتويجًا لخط أمني-دبلوماسي بدأ منذ اعتراف إدارة ترامب بمغربية الصحراء؟

الجزائر في قلب العاصفة… من الشريك الصامت إلى المُدان المحتمل؟

التقرير المرفق بالمقترح لم يخفِ اتهاماته للجزائر، إذ وصفها بأنها “الراعي والممول” الأساسي للجبهة، وذهب إلى حد اعتبار أراضيها في تندوف “ملاذًا آمنًا لبنية عسكرية ذات طابع ميليشيوي”، تُستخدم، حسب التقرير، في تأطير أكثر من 40 ألف عنصر.

إذا تمت المصادقة على القانون، فقد يعني ذلك إدخال الجزائر – ولو بشكل غير مباشر – في نطاق العقوبات أو التحقيقات المتعلقة بدعم “كيانات إرهابية”، ما يمثل تحولا غير مسبوق في الخطاب الأمريكي نحوها، رغم حرص واشنطن التقليدي على مسك العصا من الوسط في علاقتها بالرباط والجزائر.

السياق الدولي: ما بين التنافس الجيواستراتيجي وتحديات الساحل

من منظور أوسع، يعكس هذا المقترح التحول في مقاربة واشنطن لمناطق التماس في إفريقيا، خاصة بعدما باتت منطقة الساحل مرتعًا للحركات المسلحة، ومجال تنافس متزايد بين روسيا (عبر فاغنر)، والصين، والقوى الإقليمية كتركيا وإيران.

في هذا السياق، تبدو البوليساريو – في الأدبيات الأمريكية الجديدة – ليس فقط حركة انفصالية تقليدية، بل منصة استراتيجية محتملة للاختراق الإيراني الروسي في المنطقة، وهو ما يبرر – من وجهة نظر المحافظين في واشنطن – ضرورة تصنيفها ضمن “التهديدات العابرة للأمن الإقليمي والدولي”.

الآثار المحتملة: هل نحن أمام “دوكترين مغربي” جديد داخل الكونغرس؟

في حال نجح المشروع في المرور داخل لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، ثم التصويت عليه، فستكون تلك سابقة تشريعية ذات دلالة رمزية واستراتيجية، تمنح المغرب أداة دبلوماسية قوية في المحافل الدولية، وتُربك حسابات خصومه الإقليميين، خصوصًا مع قرب تجديد ولاية المينورسو في الأمم المتحدة.

وفي المقابل، قد تُستخدم هذه الورقة الأمريكية من طرف المغرب لتعزيز موقفه في علاقاته مع دول مترددة في دعم مبادرة الحكم الذاتي، أو لفضح طبيعة التحالفات التي تُغذي الانفصال وتضرب الاستقرار في جنوب المتوسط.

خلاصة

قد لا تكون الخطوة الحالية سوى نقطة بداية لمسار أطول، لكن الأكيد أن طرح مشروع قانون يصنّف البوليساريو منظمة إرهابية يُمثّل لحظة فارقة، تخلط أوراقًا كثيرة في ملف الصحراء، وتفتح الباب أمام مقاربات أمنية-استراتيجية تتجاوز منطق النزاع الترابي نحو منطق الحرب على الإرهاب والتهديدات العابرة للحدود.

ويبقى السؤال:هل ستنجح الرباط في تحويل هذا المشروع إلى “دبلوماسية قانونية” تقلب معادلة الملف في واشنطن؟ أم أن اللوبيات المناهضة ستسعى إلى فرملته قبل أن يبلغ مرحلة التصويت؟