معهد واشنطن: ضغوط العقوبات والعامل الجيوسياسي يعيدان رسم موقع الجزائر في مسار تسوية نزاع الصحراء

0
74

كشف تقرير صادر عن مركز الأبحاث الأمريكي “معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى” عن معطى لافت في توازنات ملف نزاع الصحراء، مفاده أن التهديد الأمريكي بفرض عقوبات على الجزائر بسبب صفقاتها الدفاعية مع روسيا لعب دورًا مؤثرًا في دفعها نحو الانخراط في مسار المفاوضات. القراءة التي يقدمها التقرير لا تضع هذا التحول في سياق معزول، بل تربطه بتحولات أوسع في العلاقة بين واشنطن وموسكو، وبالتحديد في ملف التعاون العسكري الذي بات يشكل ورقة ضغط استراتيجية في العلاقات الدولية.

يرى التقرير أن النقاش داخل الكونغرس الأمريكي حول إمكانية تفعيل عقوبات مرتبطة بقانون مكافحة خصوم أمريكا عبر العقوبات (CAATSA)، على خلفية اقتناء الجزائر منظومات تسليح روسية، شكّل عامل إعادة حسابات في دوائر القرار الجزائرية. فوفق المعهد، لم يكن التلويح بالعقوبات مجرد خطاب سياسي، بل إشارة ضغط حقيقية في ظل حساسية الاقتصاد الجزائري تجاه الاستقرار المالي والعلاقات الدفاعية الخارجية، ما جعل ملف التسلح يتقاطع مع ملف الدبلوماسية الإقليمية.

ويشير التحليل إلى أن الجزائر، التي ظلت لسنوات تؤكد أنها ليست طرفًا مباشرًا في نزاع الصحراء وتتمسك بصفة “مراقب إقليمي”، دخلت هذه المرة في دينامية مختلفة، عبر حضورها في محادثات مدريد التي جرت بمبادرة أمريكية وضمن صيغة متعددة الأطراف. هذا الحضور اعتبره التقرير تحولًا نوعيًا، لأنه يكرّس اعترافًا ضمنيًا بأن أي مقاربة واقعية لتسوية النزاع لا يمكن أن تتجاوز الدور الجزائري، سواء من حيث التأثير السياسي أو من حيث احتضان مخيمات تندوف والدعم المعلن لجبهة البوليساريو.

ويبرز المعهد أن إشراك الجزائر لم يكن خيارًا تكتيكيًا، بل ضرورة سياسية فرضتها طبيعة المشهد. فالجبهة الانفصالية، بحسب التقرير، تعتمد بشكل متزايد على الدعم اللوجستي والسياسي الجزائري، ما يجعل استبعاد الجزائر من أي طاولة تفاوض يعني عمليًا تعطيل إمكانية الوصول إلى تسوية قابلة للتنفيذ. من هنا، جاءت المقاربة الأمريكية لتجمع الأطراف الأساسية – المغرب، الجزائر، موريتانيا، والبوليساريو – في إطار مسار مباشر تحت إشراف واشنطن، في تحول يعكس رغبة أمريكية في إعادة التموضع كوسيط فاعل بدل الاكتفاء بالدور الداعم للمسار الأممي التقليدي.

وفي هذا السياق، يستند التقرير إلى الإشارة إلى القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، والذي ثمّن استعداد الولايات المتحدة لاستضافة ودعم محادثات متعددة الأطراف. هذا التوافق الأممي يمنح الغطاء السياسي للتحرك الأمريكي، ويعزز فكرة أن العملية التفاوضية الجديدة ليست خروجًا عن الشرعية الدولية، بل محاولة لإعادة تفعيلها عبر أدوات دبلوماسية أكثر ديناميكية.

أما في ما يتعلق بالمخاوف الجزائرية، فيلفت المعهد إلى أن مسألة الحدود تمثل عنصرًا حساسًا في الحسابات الاستراتيجية للجزائر. فالتخوف من أي ترتيبات سياسية قد تُفسَّر داخليًا أو إقليميًا على أنها مساس بالسيادة أو بالحدود الموروثة بعد الاستقلال، يجعل أي اتفاق محتمل يتطلب ضمانات واضحة ومكتوبة تحصّن هذا البعد. ويطرح التقرير احتمال أن تشمل أي تسوية قائمة على مقترح الحكم الذاتي المغربي ترتيبات تضمن للجزائر تطمينات صريحة بشأن عدم المساس بحدودها أو مصالحها الأمنية.

من جهة أخرى، تكشف أجواء السرية التي تحيط بمخرجات محادثات مدريد عن تعقيد الملف وتشابك مصالح الأطراف. فحتى الآن، لم يتم الإعلان عن نتائج نهائية، ما يعكس أن النقاشات لا تزال في مرحلة بلورة تفاهمات أولية. غير أن المعطيات المتداولة في دوائر التحليل الدولي تشير إلى أن الاتجاه العام يميل نحو ترجيح مقاربة الحكم الذاتي الموسع تحت السيادة المغربية، خاصة في ظل الدعم المتكرر لهذا الطرح في قرارات مجلس الأمن الأخيرة، بما فيها القرار الصادر في 31 أكتوبر 2025 الذي دعا جميع الأطراف إلى التفاوض على أساس المقترح المغربي باعتباره الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق.

في المحصلة، يقدم تقرير معهد واشنطن قراءة تربط بين أدوات الضغط الجيوسياسي – وعلى رأسها ورقة العقوبات المرتبطة بالتسليح الروسي – وبين التحولات في موقع الجزائر داخل مسار التسوية. فالملف لم يعد يُقرأ فقط باعتباره نزاعًا إقليميًا تقليديًا، بل أصبح جزءًا من شبكة تفاعلات دولية تتقاطع فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية. وفي هذا السياق، يبدو أن واشنطن تسعى إلى إدارة التوازنات لا إلى فرض حلول أحادية، عبر خلق دينامية تفاوضية تجمع جميع الفاعلين في إطار بحث تدريجي عن تسوية سياسية قابلة للاستمرار.