من الدقائق على العشب إلى بيانات المشاهدة: قراءة تحليلية في تصريح جون-بول ماكيرلي عن كأس أمم إفريقيا 2025

0
205

الدوحة، 07 يناير 2026 – حين يتحدث مسؤول تسويق بارز في منصة بث رياضية عن حدث بحجم كأس الأمم الإفريقية 2025، فإن ما يقوله لا يكون مجرَّد تعليق على أرقام المشاهدة أو أداء المنتخبات داخل الملاعب، بل يشير إلى متغيّرات أوسع في علاقة الجماهير بكرة القدم نفسها، وفي كيفية استهلاك المحتوى الرياضي في المنطقة.

في تحليله للبطولة، ركّز جون-بول ماكيرلي، نائب رئيس التسويق والمبيعات في منصة “TOD” لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، على ما وصفه بـ “تحوّل ملموس في طريقة تفاعل الجماهير مع الأحداث الرياضية المباشرة”. وما بين السطور يمكن قراءة هذا الكلام على أكثر من مستوى.

أولاً: ما بين الإحصاءات والمشاعر الجماهيرية

التصريح يشير إلى تصدُّر أجهزة التلفزيون كخيار رئيسي لمتابعة المباريات، تليها الهواتف الذكية، وهو وصف يبدو في ظاهره مجرد بيان عن تفضيلات المشاهدين. لكن التحليل الصحفي يذهب إلى ما هو أبعد: ماكيرلي لا يتحدث فقط عن أرقام، بل عن نمط “تجربة المشاهدة الجماعية” التي لا يزال الجمهور يربطها بالشاشات الكبيرة، حتى في عصر الرقمنة. هذا يوحي بأن البث الرقمي لم يصل بعد إلى مرحلة استبدال التلفزيون التقليدي، بل يعمل في كثير من الأحيان على تعزيز وجوده بدلًا من إلغائه — مؤشر على أن التغيير في السلوك الإعلامي ليس خطيًا أو تلقائيًا، بل متدرّج ويتأثر بالعادات الاجتماعية والثقافية في المنطقة.

ثانيًا: بين الأسواق الكبرى والفرص التجارية

عندما يذكر ماكيرلي أن مصر والمغرب والجزائر وتونس تصدّرت أسواق استقطاب المشتركين الجدد، فهو في الواقع يلمّح إلى أمرين: الأول، أن البطولة نفسها ما زالت تحظى بأهمية ثقافية ورياضية كبيرة في شمال أفريقيا. والثاني، أن هناك فرصًا تجارية حقيقية لمنصات البث في هذه الدول، ليس فقط لأن الجماهير هناك تشاهد المباريات، بل لأنهم مستعدون لدفع اشتراكات جديدة مقابل المحتوى المرتبط بالبطولة. وهذا يعكس أيضًا أن المحتوى الرياضي — خاصة إذا كان محليًا أو إقليميًا — لا يزال عامل جذب قوي في أسواق لم تشبَع بعد من العروض الرياضية الحصرية والمتنوعة.

ثالثًا: اللعب في الساحة الرقمية مقابل واقع البث التقليدي

الإحصاءات التي قدمتها “TOD” تظهر أن المنصة سجلت “وصولًا مباشرًا واسعًا” في أسواق مثل الإمارات والكويت وقطر، وهي أسواق تُعرف بارتفاع معدلات التحول الرقمي. هذا يشير ضمنيًا إلى أن السوق الرقمية تفرض نفسها بقوة، لكن ليس بصورة تفوق بالضرورة التلفزيون التقليدي، بل تكملها وتحوُّلها.

من جهة، هذا يعكس نجاح المنصات الرقمية في جذب جمهور مختص أو متطلّب المحتوى المتميز؛ ومن جهة أخرى، يعكس وجود سياق سوقي–تقني واقتصادي يسهّل هذا التحول في تلك الدول أكثر من غيرها. وإشارة ماكيرلي لهذا الفارق في الأسواق يكشف عن فهم عميق للـ تحولات الكفاءة التقنية والسلوك الاستهلاكي في المنطقة.

رابعًا: ما لم يُقال — الخلفية السياسية والاجتماعية

قد لا يذكر التصريح ما يرتبط بالسياق السياسي للبطولة أو الحقوق الحصرية للبث، لكن الحديث عن زيادة الاشتراكات الجديدة في بعض الدول دون غيرها يفتح باب قراءة أوسع عن تفاصيل السوق الإعلامي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: هناك توترات خفية بين ما هو محلي وما هو إقليمي، بين المنصات التي تمتلك حقوقًا حصرية وبين جمهور يشعر بالحاجة إلى الوصول المفتوح للمحتوى، وهو نقاش قائم في الإعلام الرياضي منذ سنوات.

كما أن الإشارة إلى الدول التي سجلت أكبر وصول ليست محض صدفة؛ فهي تعكس هياكل اقتصادية رقمية مختلفة داخل المنطقة، وقد تحمل تبعات في كيفية توزيع الاستثمار في حقوق البث في المستقبل، خصوصًا مع نمو المنافسة بين منصات رقمية وتقليدية في العالم العربي والإفريقي.

الخلاصة

تصريح ماكيرلي، عندما يُقرأ بعين التحليل الصحفي، لا يتوقف عند البيانات الإحصائية لحظة بلحظة. إنه يقدم صرحًا من المعلومات يُمسِك بخيوط واقع إعلامي ورياضي وثقافي متشابكة:

  • يشير إلى استمرار التلفزيون في لعب دور اجتماعي مهم، رغم صعود الرقمي.

  • يكشف فرصًا تجارية حقيقية للشركات التي تعرف كيف تدمج بين البث والتفاعل.

  • يسلّط الضوء على فروق إقليمية في التحوّل الرقمي داخل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

  • ويثير الكثير من الأسئلة عن مستقبل الإعلام الرياضي وكيفية تفاعل الجمهور معه بعيدًا عن مجرد مشاهدة المباراة.

وفي هذا السياق، لا يكتفي البيان باعتباره تعليقًا تنظيريًا، بل يمكن اعتباره مؤشرًا على تحولات أوسع في السوق الإعلامي الرياضي، تستحق متابعة أعمق في القادم من البطولات الكبرى.