من الفيضانات إلى المصانع: الاستثمار هو الحل… الرسالة الملكية واضحة

0
58

في خضم التحديات التي تمر بها البلاد، من فيضانات كارثية إلى ضغوط اقتصادية واجتماعية، يؤكد جلالة الملك محمد السادس أن الحل لا يكمن فقط في مواجهة الأزمات، بل في تحويلها إلى فرص. إطلاق مصنع أنظمة هبوط الطائرات بالنواصر، بالشراكة مع مجموعة Safran، ليس مجرد حدث صناعي، بل رسالة واضحة: المغرب يرسّخ مكانته العالمية في الصناعة الدقيقة، يخلق فرص الشغل ويجذب العملة الصعبة، ويحول التحديات المحلية إلى منصة للتنمية الاقتصادية المستدامة.

الظاهر في هذا المشروع هو تعزيز مكانة المغرب ضمن خريطة الصناعات الجوية العالمية، عبر إدماج حلقات دقيقة من سلسلة القيمة: من التصنيع عالي الدقة إلى الاختبارات والاعتماد والصيانة. أما المضمر، فيكمن في تثبيت نموذج تنموي يعتبر الصناعة الثقيلة والمعرفة التقنية رافعة سيادية، لا مجرد نشاط اقتصادي تابع. فاختيار النواصر داخل منصة “ميدبارك” ليس قراراً جغرافياً محايداً، بل جزء من هندسة ترابية جديدة تجعل من الأقطاب الصناعية مراكز قوة اقتصادية، قادرة على امتصاص البطالة المؤهلة، وتوليد شبكات موردين محليين، وتقليص التبعية التكنولوجية.

الأكثر دلالة أن المصنع مخصص لطراز Airbus A320، أحد أكثر الطائرات طلباً عالمياً، ما يعني أن المغرب لا يدخل هامش السوق، بل يتموضع في قلب الطلب الدولي المتزايد، ويؤمّن لنفسه موقعاً ضمن دينامية الإنتاج العالمي للطيران المدني. وهنا تتحول الأرقام المعلنة (280 مليون يورو استثماراً، 500 منصب شغل مباشر، اعتماد كامل على الطاقة النظيفة) من مجرد مؤشرات تقنية إلى علامات على انتقال المغرب من منطق «جذب الاستثمار» إلى منطق «التفاوض على الموقع داخل السلسلة العالمية».

سياسياً، يعكس هذا المسار ما يمكن تسميته بـ«الاقتصاد الملكي الاستراتيجي»: اقتصاد لا يُدار بمنطق ردّ الفعل، بل بمنطق الاستباق؛ لا يكتفي بتدبير الخصاص الاجتماعي الآني، بل يشتغل على بناء بنية إنتاجية قادرة مستقبلاً على تمويل الدولة الاجتماعية نفسها. في هذا السياق، تبدو الأنشطة الملكية، رغم قسوة الظرف المناخي والإنساني، بمثابة إعادة ترتيب لأولويات الزمن السياسي: الطوارئ تُعالَج، لكن التنمية لا تُؤجَّل.

أما على المستوى الرمزي، فحديث مسؤولي سافران عن أنهم «لا ينتجون في المغرب بل مع المغرب» يحمل دلالة سيادية عميقة: انتقال البلاد من موقع منصة منخفضة الكلفة إلى شريك صناعي موثوق، يملك رأسمالاً بشرياً معترفاً به دولياً، ويشارك في تصميم النموذج الصناعي ذاته، لا فقط في تنفيذه. وهنا يصبح المصنع الجديد أكثر من وحدة إنتاج؛ إنه تجسيد عملي لتحول المغرب من مستهلك للتكنولوجيا إلى فاعل في إنتاجها، ومن طرف تابع في العولمة إلى شريك تفاوضي داخلها.

في المحصلة، لا يمكن قراءة هذا الحدث خارج سياق أوسع: سياق ملكية تعتبر الاستثمار الصناعي نوعاً من «السياسة العامة غير المعلنة»، وتعتبر خلق الثروة المنتجة شرطاً مسبقاً لأي عدالة اجتماعية ممكنة. فالرسالة المضمرة للداخل واضحة: الدولة لا تكتفي بتعويض الخسائر، بل تبني مصادر جديدة للقوة الاقتصادية. وللخارج أوضح: المغرب ليس ساحة استهلاك أو تجميع فقط، بل فضاء شراكة صناعية ذات عمق استراتيجي.