من جنيف إلى مجلس الأمن: 40 دولة تُرسّخ سيادة المغرب على صحرائه

0
101

في مشهد دبلوماسي يعكس تحوّلاً عميقاً في تموقع القضية الوطنية داخل المنظومة الدولية، جددت أربعون دولة، من قلب جنيف، دعمها الصريح لسيادة المملكة المغربية على أقاليمها الجنوبية، في رسالة سياسية تتجاوز رمزية العدد إلى دلالات السياق والتوقيت. فالموقف الصادر ضمن أشغال مجلس حقوق الإنسان لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات المتراكمة داخل أروقة الأمم المتحدة، حيث بات ملف الصحراء يُعاد تأطيره تدريجياً كقضية سياسية يُعالجها حصراً مجلس الأمن الدولي، بعيداً عن محاولات توسيع نطاقه أو تسييله في مسارات موازية.

البيان الذي تلاه السفير الممثل الدائم للمغرب لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف، عمر زنيبر، لم يأتِ بلغة إنشائية، بل رسّخ معادلة واضحة: النزاع سياسي بطبيعته، وحلّه يمر عبر مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتباره الخيار الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق. وهي صيغة تنسجم مع روح القرار الأممي 2797، الذي يدعو إلى إعادة إطلاق العملية السياسية بمشاركة الأطراف الأربعة، على أساس حل عملي ودائم ومقبول. هنا، يتكرّس منطق «الحل داخل السيادة»، بدل أوهام «الحل خارج الدولة».

هذا التحول في المقاربة يعكس انتقالاً نوعياً من منطق إدارة النزاع إلى منطق هندسة الحل. فحين تؤكد مجموعة واسعة من الدول أن المرجعية الحصرية هي مجلس الأمن، فإنها عملياً تغلق الباب أمام محاولات نقل الملف إلى ساحات ضغط حقوقية أو إعلامية، كان يُراد لها أن تتحول إلى أدوات ابتزاز سياسي. الرسالة واضحة: لا شرعية لمسارات موازية، ولا قابلية لإعادة تدوير أطروحات تجاوزها الزمن الدبلوماسي.

في العمق، يكشف هذا الاصطفاف الدولي أن الدبلوماسية المغربية لم تعد تكتفي بردّ الفعل، بل انتقلت إلى صياغة قواعد الاشتباك. فالقضية الوطنية باتت معياراً لقياس صدقية الشراكات، وأداة لإعادة تعريف التحالفات. من هنا، يصبح الدعم في جنيف مؤشراً على ترسّخ قناعة دولية بأن الاستقرار الإقليمي في شمال إفريقيا والساحل يمر عبر تثبيت السيادة المغربية وتعزيز التنمية في الأقاليم الجنوبية، لا عبر إدامة حالة اللايقين.

ولعلّ أبرز ما يميز اللحظة الراهنة هو تزامن هذا الزخم الأممي مع حركية دبلوماسية موازية على أكثر من محور. ففي الرباط، أرسى وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة رفقة نظيره البلجيكي ماكسيم بريفو أسس شراكة استراتيجية تتجاوز الملفات التقليدية نحو أفق أمني وجيوسياسي أوسع. فالعلاقة مع بلجيكا لم تعد محصورة في الهجرة والتبادل التجاري، بل امتدت إلى حوار أمني يشمل حماية الأمن الروحي للجالية المغربية، بما يعكس وعياً مشتركاً بأن المعركة ضد التطرف لا تنفصل عن صيانة الهوية والارتباط الوطني.

هذا التمدد في الرؤية الأمنية ترافق مع تأكيد الرباط تضامنها مع سلطنة عُمان ودول الخليج في مواجهة التهديدات الإقليمية، في إشارة إلى أن الأمن المغربي يُنظر إليه ضمن شبكة ترابط أوسع تمتد من غرب المتوسط إلى الخليج. بذلك، يعيد المغرب تقديم نفسه كشريك استراتيجي موثوق، يجمع بين الشرعية السياسية والاستقرار المؤسسي والقدرة على لعب أدوار توازنية في محيط مضطرب.

أما على المستوى الإفريقي، فإن تثبيت مغربية الصحراء في الخطاب الدولي يعزز موقع المملكة كبوابة أوروبية نحو القارة، وكنقطة ارتكاز لمشاريع تنموية وأمنية مشتركة. فحين يتقاطع الدعم الأممي مع شراكات أوروبية متجددة، تتشكل معادلة جديدة قوامها: السيادة أولاً، ثم التنمية كرافعة للاستقرار، ثم الشراكة كضمانة للاستدامة.

بهذا المعنى، لم يعد ملف الصحراء يُدار بمنطق الدفاع عن موقف، بل بمنطق تثبيت واقع. انتقاله من دائرة «النزاع المفتوح» إلى دائرة «البناء تحت السيادة» ليس شعاراً سياسياً، بل مساراً يتكرس بتراكم المواقف الدولية، وبحصر النقاش في إطاره الأممي الصحيح. وفي عالم يعاد فيه رسم خرائط النفوذ والتحالفات، يبدو أن الرباط تراهن على تحويل رصيدها الدبلوماسي إلى معادلة دائمة: سيادة راسخة، تنمية ميدانية، وشراكات مبنية على وضوح المواقف لا على غموض الحسابات.