من رسالة مجهولة إلى منع لوبان من الرئاسة.. القصة الكاملة لسقوط زعيمة اليمين المتطرف!

0
99

لم تكن مارين لوبان، زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي، تتخيل أن مصيرها السياسي سيتحطم على يد قرار إداري اتخذه رجل ألماني في مكاتب البرلمان الأوروبي. ففي عام 2015، قام مارتن شولتز، الرئيس السابق للبرلمان الأوروبي، بإحالة ملف “المساعدين البرلمانيين” لحزب الجبهة الوطنية إلى مكتب مكافحة الاحتيال الأوروبي (OLAF)، مما أشعل سلسلة من التحقيقات القضائية التي انتهت بإقصائها من السباق الرئاسي 2027.

لكن، كيف تحوّل قرار روتيني إلى زلزال سياسي غير مسبوق؟ وما هي التداعيات العميقة لهذه القضية على الديمقراطية الفرنسية والأوروبية؟

القصة من البداية: 340 ألف يورو في قلب العاصفة

القضية انطلقت برسالة مجهولة المصدر وصلت إلى مكتب شولتز، تبلغه بأن كاثرين غريزيه، رئيسة ديوان مارين لوبان، وحارسها الشخصي تييري ليجييه، يتلقيان رواتب من البرلمان الأوروبي رغم ارتباطهما المباشر بحزب الجبهة الوطنية. وبعد تدقيق بسيط، اكتشف البرلمان الأوروبي أن 20 من أصل 24 مساعدًا برلمانيًا للحزب كانوا يتلقون أجورًا من البرلمان بينما يعملون بشكل مباشر في الحزب داخل فرنسا. هذه الممارسات أثارت شكوك شولتز، ما دفعه إلى إحالة الملف إلى مكتب مكافحة الاحتيال الأوروبي (OLAF) في 9 مارس 2015، لتبدأ التحقيقات التي لم تتوقف منذ ذلك الحين. هذا القرار، الذي ربما لم يكن يدرك شولتز عواقبه السياسية بالكامل، أدى إلى سلسلة من الإجراءات القانونية التي أثّرت بشكل جذري على مستقبل اليمين المتطرف في فرنسا.

مارتن شولتز: مسار شخصي غير تقليدي

لم يكن في الحسبان أن يكون ابن شرطي ألماني هو الرجل الذي سيقلب السياسة الفرنسية رأسًا على عقب. مرّ مارتن شولتز بطفولة صعبة، حيث طُرد من المدرسة الكاثوليكية، ولم يحصل على شهادة البكالوريا، واضطر للتخلي عن حلمه في احتراف كرة القدم بسبب إصابة في الركبة. في العشرينيات من عمره، واجه صراعًا مع الإدمان على الكحول، لكنه استطاع التغلب عليه بفضل دعم شقيقه.

شولتز وجد طريقه عبر الأدب، فافتتح مكتبة صغيرة في مسقط رأسه “فورسلن”، ومنها بدأ رحلته السياسية، ليصبح في سن 31 عامًا أصغر عمدة في ولاية شمال الراين-وستفاليا. رغم عدم امتلاكه شهادة جامعية، إلا أنه أتقن خمس لغات، من بينها الفرنسية، ما ساعده على الصعود داخل المؤسسات الأوروبية حتى تولى رئاسة البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ.

التصادم بين شولتز ولوبان: صراع بين رؤيتين لأوروبا

على مدى سنوات، كانت العلاقة بين شولتز ولوبان متوترة للغاية. شولتز كان من دعاة الاندماج الأوروبي العميق، بل ودعا في 2017 إلى وضع معاهدة دستورية جديدة لتأسيس “الولايات المتحدة الأوروبية”. في المقابل، كانت مارين لوبان تعتبر الاتحاد الأوروبي عدوًا لمصالح فرنسا، وترى أن السيادة الوطنية يجب أن تكون فوق أي التزام أوروبي.

قرار شولتز في 2015 لم يكن سياسيًا بحتًا، بل إداريًا وقانونيًا، لكنه في النهاية أضرّ بشكل غير مسبوق بمستقبل لوبان السياسي، حيث أدى التحقيق إلى فرض غرامات ثقيلة على حزبها، ثم لاحقًا إلى حكم قضائي يمنعها من الترشح للرئاسة.

هل كان الأمر مجرد صدفة؟ أم أن للقضاء دورًا في رسم المشهد السياسي؟

يثير هذا الملف تساؤلات جوهرية حول دور القضاء في تحديد مستقبل السياسيين. هل كان مارتن شولتز مجرد مسؤول أوروبي يطبّق القانون، أم أن هناك أبعادًا سياسية غير معلنة وراء تحريك هذا الملف؟ كيف تفاعل القضاء الفرنسي مع القضية؟ وهل يمكن اعتبار ما حدث لمارين لوبان جزءًا من تقليد أوروبي في استبعاد التيارات اليمينية المتطرفة عبر القنوات القانونية؟

من ناحية أخرى، هل يمكن مقارنة هذه القضية بملفات أخرى في دول أوروبية مختلفة، حيث تم استخدام القضاء لتوجيه المشهد السياسي؟ القضية لا تزال تثير جدلًا واسعًا، خاصة في ظل صعود تيارات يمينية جديدة تسعى إلى الاستفادة من إرث لوبان، والتي قد ترى في ما حدث لها سابقة يمكن أن تتكرر ضدها مستقبلاً.

الوجه الآخر لمارتن شولتز: موقفه من قضايا الشرق الأوسط

رغم سجله السياسي الحافل، إلا أن مارتن شولتز كان متحفظًا في مواقفه من الجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في فلسطين. البعض يرى أن هذا الموقف يعود إلى التاريخ الألماني وجرائم النازية، التي جعلت ألمانيا حساسة تجاه انتقاد إسرائيل بشكل صريح. لكن هل يمكن لهذا التحفظ أن يكون مبررًا؟ أم أن الدور الأوروبي يفرض مسؤولية أعمق تجاه قضايا حقوق الإنسان بغض النظر عن الحسابات التاريخية؟

ختامًا: شولتز، لوبان، وأوروبا التي تتغير

ما حدث بين مارتن شولتز ومارين لوبان ليس مجرد قصة عن الفساد أو الإجراءات القانونية، بل هو تعبير عن صراع أعمق بين رؤيتين متناقضتين لأوروبا. من جهة، هناك الاتحاد الأوروبي الذي يسعى للحفاظ على تماسكه وتعزيز اندماجه، ومن جهة أخرى، هناك تيارات قومية شعبوية تسعى لتفكيك هذا النموذج وإعادة الاعتبار للحدود الوطنية.

وفي النهاية، هل ما جرى للوبان سيكون نهاية لمشروعها السياسي؟ أم أن تيارها سيعود بشكل آخر عبر شخصيات جديدة؟ هذا ما ستكشفه السنوات المقبلة.