من “سمك الفقراء” إلى سلعة نخبوية… كيف انقلب السردين على موائد المغاربة؟

0
114

في بلدٍ تحرسه بحـران، ويطوّقه المحيط شمالاَ وغرباً، لم تعد المعركة اليومية للمغاربة مع الجفاف ولا مع القحط، بل مع شيء أبسط وأقسى في آن واحد: ثمن السردين.

المغرب، الذي يُصنَّف بين كبار مصدّري السمك في العالم، والذي يحتل مراتب متقدمة في إنتاج السردين والأخطبوط والتونة، يجد نفسه أمام مفارقة موجعة: سمك يُصطاد من مياهه، ويُفرغ في موانئه، ثم يُباع لأبنائه بأثمنة تفوق ما يدفعه مستهلك أوروبي لشراء نفس المنتوج المغربي.

ليست هذه مجرد تقلبات سوق أو ظرفية موسمية. إنها علامة على خلل أعمق في كيفية تدبير ثروة يُفترض أن تكون إحدى ركائز الأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية. فكيف يتحول بلد بحري بامتياز، يمتد شريطه الساحلي لأكثر من 2300 كيلومتر، إلى فضاء يعجز فيه المواطن عن اقتناء ما كان يُعرف لعقود بـ«سمك الفقراء»؟

حين ينقلب الميزان

مع بداية سنة 2026، انفجرت الأسعار في الأسواق الشعبية. الكيلوغرام الواحد من السردين قفز في مدن عدة إلى ما بين 30 و40 درهمًا، بعدما كان تاريخيًا يستقر في حدود 15 إلى 20 درهمًا. فجأة، لم يعد السردين مجرد مادة غذائية، بل صار عبئًا على ميزانية أسر اعتادت أن تعتمد عليه كمصدر بروتين رئيسي.
التحول لم يكن تدريجيًا ولا خافتًا، بل صادمًا، وكأنه إعلان غير مكتوب عن نهاية عهد غذائي كامل.

في السوق، تتعدد التفسيرات: تغيرات مناخية أثّرت على هجرة الأسماك، أحوال بحرية قلّصت أيام الصيد، ارتفاع في كلفة الوقود والنقل، وتضخم في عدد الوسطاء الذين يضيف كل واحد منهم هامش ربح جديدًا. لكن هذه التفسيرات، على وجاهتها، لا تفسر مفارقة واحدة أساسية: لماذا يبقى السردين المغربي رخيصًا نسبيًا في الخارج، بينما يغدو غاليًا في الداخل؟

الدولة تدخل… والبحر يصمت

أمام الضغط الاجتماعي واقتراب شهر رمضان، تحركت السلطات الوصية. أعلنت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري سلسلة إجراءات استباقية: منع تصدير السردين المجمد مؤقتًا، توسيع مبادرة “الحوت بثمن معقول”، ومنع توجيه السردين الصالح للاستهلاك نحو مصانع دقيق وزيت السمك.
تزامن ذلك مع فترة الراحة البيولوجية الممتدة من فاتح يناير إلى منتصف فبراير، وهي فترة يُمنع فيها صيد السردين لحماية تكاثره وضمان استدامة المخزون.

علميًا، هذه القرارات منطقية. اقتصاديًا واجتماعيًا، هي سيف ذو حدين. فالراحة البيولوجية تعني تقلص المعروض في السوق، وفي غياب مخزون موجه حصريًا للاستهلاك الداخلي، يتحول أي توقف في الصيد إلى ضغط فوري على الأسعار. وهنا يظهر الخلل: الدولة تحمي السردين في البحر، لكنها لا تملك الأدوات الكافية لحمايته في السوق.

حين يتراجع المخزون وتشتد شهية التصدير

الأرقام الرسمية تشير إلى أن مصيد السردين تراجع بنحو 46 في المائة بين 2022 و2024. في منطق السيادة الغذائية، كان يفترض أن يؤدي هذا التراجع إلى إعطاء أولوية مطلقة للسوق الوطنية. لكن الواقع يسير في اتجاه آخر.
السردين ما زال سلعة تصديرية مربحة، والأسواق الأوروبية قادرة على دفع أثمان أعلى، والشركات الكبرى منظمة وقادرة على التفاوض، بينما المستهلك المغربي يقف وحيدًا في مواجهة السوق.

هكذا تتشكل المعادلة المختلة: نحن ننتج، لكن غيرنا يستهلك بثمن أفضل.

أين تنكسر السلسلة؟

الأزمة لا تولد في البحر وحده، بل في المسافة الطويلة بين الميناء والمائدة.
هناك أولًا مسألة تدبير المخزون: غياب احتياطي استراتيجي موجه للسوق الداخلية يجعل الأسعار رهينة لأي اضطراب طبيعي.وهناك ثانيًا سلسلة التسويق، حيث يتضخم هامش الربح عبر حلقات متداخلة من الوسطاء، فيتحول السمك من منتوج شعبي إلى سلعة مضاربية. وهناك أخيرًا منطق التصدير، الذي يجعل السوق الداخلية تنافس الأسواق الخارجية على نفس المورد، في معركة خاسرة سلفًا.

السردين كمرآة

قصة السردين في المغرب ليست عن سمك فقط. إنها قصة عن نموذج اقتصادي، عن توازن مفقود بين الطبيعة والسوق، بين حق المواطن في الغذاء ومنطق الربح. هي سؤال سيادي قبل أن تكون أزمة أسعار: هل نملك ثرواتنا فعلًا، أم نكتفي بإخراجها من بحرنا وترك قيمتها تتسرب إلى موائد الآخرين؟

إلى أن يُبنى نظام يربط بين البحر وموائد المغاربة بوضوح وعدالة، سيظل السردين شاهدًا صامتًا على مفارقة بلد غني بثرواته… وفقير في أسواقه.