من صراع مفتعل إلى حل واقعي: الدبلوماسية المغربية تغيّر قواعد اللعبة الأوروبية

0
106

لم تكن الدورة الخامسة عشرة لمجلس الشراكة بين المملكة المغربية والاتحاد الأوروبي، التي انعقدت ببروكسل، مجرد محطة بروتوكولية لتقييم مسار التعاون الثنائي، بل تحوّلت إلى لحظة سياسية ذات حمولة رمزية واستراتيجية عالية، بعدما أسفرت عن بلورة موقف أوروبي جماعي جديد من قضية الصحراء المغربية، يمنح مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب ثقلاً مؤسسياً غير مسبوق داخل المنظومة الأوروبية.

ففي بيان مشترك وُقّع في ختام أشغال المجلس بين وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي كايا كالاس، تم تثبيت موقف يعترف بأن مبادرة الحكم الذاتي المغربية تُعد من بين أكثر الحلول واقعية وقابلية للتطبيق من أجل التوصل إلى تسوية نهائية للنزاع الإقليمي. غير أن دلالة هذا البيان لا تكمن فقط في مضمونه، بل في طبيعته أيضاً، باعتباره يعكس لأول مرة موقفاً موحداً للدول الأعضاء السبع والعشرين داخل الاتحاد الأوروبي، لا مجرد مواقف فردية أو بيانات ثنائية متفرقة.

هذا التحول النوعي يخرج الملف من دائرة التوازنات الرمادية التي طبعت الموقف الأوروبي لسنوات، وينقله إلى مستوى جديد من الوضوح السياسي، حيث لم يعد الحديث يدور حول دعم محتشم أو تعاطف دبلوماسي، بل عن تبنٍّ مؤسساتي لمقاربة مغربية ترى في الحكم الذاتي الإطار العملي الوحيد القابل للتنزيل لإنهاء نزاع طال أمده واستنزف طاقات إقليمية كبيرة.

ويُلاحظ أن البيان الأوروبي حرص على ربط موقفه مباشرة بالمرجعية الأممية، من خلال التأكيد على دعم دعوة مجلس الأمن لجميع الأطراف للانخراط في مفاوضات سياسية جادة ودون شروط مسبقة، وعلى أساس مبادرة الحكم الذاتي المغربية. وهو ربط يمنح الموقف الأوروبي شرعية دولية مضاعفة، ويؤسس لتقاطع نادر بين الرؤية المغربية، والإطار الأممي، والموقف الأوروبي الجماعي.

وفي هذا السياق، عبّر الاتحاد الأوروبي عن ترحيبه بإرادة المغرب الانتقال من مستوى طرح المبادرة إلى مستوى توضيح آليات تنزيلها العملي في إطار السيادة المغربية، بما يعكس اعترافاً ضمنياً بأن المقترح لم يعد مجرد مشروع نظري، بل تصور سياسي قابل للتفعيل الميداني، يأخذ بعين الاعتبار متطلبات التنمية المحلية والاستقرار الإقليمي.

كما استحضر البيان المشترك القرار الأممي رقم 2797 لسنة 2025، الذي جدّد دعم مجلس الأمن لجهود الأمين العام ومبعوثه الشخصي، مع التأكيد الصريح على أن الحكم الذاتي المغربي يشكل الأساس الواقعي لهذا المسار. وهو ما يعني عملياً أن المقترح المغربي لم يعد خياراً من بين خيارات متعددة، بل صار المرجعية الواقعية الوحيدة التي تحظى بإجماع دولي متنامٍ.

ورغم أن عدداً من الدول الأوروبية كانت قد سبقت إلى إعلان دعمها الصريح لمغربية الصحراء خلال السنوات الماضية، فإن القيمة المضافة لهذا التطور تكمن في كونه أول توافق أوروبي جماعي، يحوّل الدعم من مواقف سيادية منفردة إلى سياسة مؤسساتية موحدة، وهو ما يمنح الدبلوماسية المغربية مكسباً استراتيجياً طويل الأمد، ويعزز موقعها التفاوضي داخل مختلف المحافل الدولية.

ويأتي هذا التحول في سياق دينامية دولية أوسع تميل بشكل متزايد لصالح المقاربة المغربية، دينامية صنعتها الرباط عبر عمل دبلوماسي تراكمي، هادئ لكنه عميق، نقل ملف الصحراء من منطق الصراع الإيديولوجي إلى منطق الحل الواقعي القائم على السيادة والتنمية والاستقرار.

في العمق، يعكس الموقف الأوروبي الجديد إدراكاً متزايداً داخل العواصم الغربية بأن استمرار النزاع لم يعد يخدم أي معادلة إقليمية، وأن التسوية تمر حتماً عبر حل عملي يحترم وحدة المغرب الترابية، ويضمن في الوقت نفسه بيئة آمنة للتعاون الاقتصادي والأمني في منطقة شديدة الحساسية جيوسياسياً.

وبهذا المعنى، لم يعد مجلس الشراكة فضاءً تقنياً لتدبير ملفات التعاون، بل تحوّل إلى منصة لإعادة رسم التوازنات السياسية بين الرباط وبروكسل، في لحظة تكشف أن قضية الصحراء لم تعد ملفاً خلافياً مؤجلاً داخل الأجندة الأوروبية، بل أصبحت عنواناً لتحول استراتيجي يعيد تعريف موقع المغرب كشريك سياسي مركزي في جنوب المتوسط.