في الظاهر، يبدو الخبر بسيطًا، يكاد يُدرج في خانة “حادثة عرضية” مرتبطة بأجواء كأس إفريقيا: حدثٌ يزيل علم دولة مشاركة، وحدثان يوثّقان المشهد بهاتف ذكي. غير أن الاكتفاء بهذا السطح لا يفي الموضوع حقه، لأن ما جرى في أحد مدارات الدار البيضاء يفتح، لمن يريد أن يقرأ بهدوء، أسئلة أعمق تتجاوز الفعل نفسه إلى سياقه، رمزيته، وطريقة تدبيره.
ما يلفت الانتباه أولًا ليس الفعل في حد ذاته، بل سرعة انتقاله من فضاء عابر إلى قضية قانونية مضبوطة. النيابة العامة لم تدخل من باب الخطاب أو التأويل أو التهويل، بل من باب اختصاصها الطبيعي: إحالة حدثين على قاضي الأحداث، وتفعيل المساطر القانونية كما هي منصوص عليها. لا بيانات نارية، ولا لغة انتقامية، ولا تسويق سياسي للحادثة. فقط مسار مؤسساتي هادئ، يضع الواقعة في حجمها القانوني، لا أكثر ولا أقل.
هنا تبدأ القراءة التحليلية.
إزالة علم دولة مشاركة في تظاهرة قارية ليست تفصيلاً بريئًا. العلم، في مثل هذه السياقات، ليس مجرد قطعة قماش، بل رمز سيادي، وعلامة اعتراف، وإشارة إلى حضور متكافئ داخل فضاء مشترك. المساس به، حتى إن صدر عن حدث، يحمل شحنة رمزية تتجاوز الفاعل إلى الرسالة التي قد تُفهم خارجيًا: هل هو تعبير عن رفض؟ عن عداء؟ عن فوضى؟ أم مجرد فعل طائش بلا وعي بتداعياته؟
لكن الأخطر من الفعل، أحيانًا، هو ما يُسقَط عليه من تأويلات. في زمن الفيديوهات القصيرة، يُنتزع الحدث من سياقه، ويُعاد تدويره كدليل على “همجية”، أو “عداء ممنهج”، أو “سلوك جماعي”، بينما الواقع غالبًا أكثر بساطة… وأكثر تعقيدًا في الآن نفسه.
النيابة العامة، حين تعاملت مع الواقعة، اختارت منطقًا مختلفًا تمامًا عن منطق الضجيج الرقمي. لم تُحوِّل الحادثة إلى قضية رأي عام ملتهبة، ولم تُغذِّ سرديات الكراهية المتبادلة. بل فعلت ما يفترض أن تفعله دولة تحترم نفسها: فصلت بين الفعل والهوية، وبين الخطأ والوصم الجماعي.
وهنا تبرز المفارقة: في الوقت الذي تُستثمر فيه مثل هذه الأفعال، خارج حدود القانون، لتغذية خطاب الحقد على المغرب والمغاربة، يختار المغرب، في الداخل، لغة القانون والمؤسسات. لا انتقام، لا تبرير، لا صكّ اتهام جماعي. فقط قاضٍ مختص بالأحداث، وإجراءات مقررة قانونًا، ومسار يراعي السن والمسؤولية التربوية قبل الزجرية.
هذا الفرق جوهري.
كأس إفريقيا، في فلسفتها الأصلية، ليست ساحة لتصفية الحسابات ولا مسرحًا لإعادة إنتاج صراعات مؤجلة. هي، أو هكذا يُفترض أن تكون، فضاء للفرجة، للترحال، للتلاقي، للاختلاف الإيجابي. حين تتحول إلى مناسبة لرفع منسوب الكراهية أو تصدير الأحقاد، فالمشكلة لا تكون في البلد المنظم بقدر ما تكون في العقل الذي يبحث عن عدو حتى في لحظة احتفال.
ومن زاوية أوسع، تكشف هذه الواقعة عن اختبار حقيقي لفكرة الدولة. هل تنجرّ وراء الاستفزاز؟ أم تضبطه؟ هل تعمّم الخطأ؟ أم تحاصره قانونيًا؟ في هذه الحالة، يبدو الجواب واضحًا: المغرب اختار مرة أخرى طريق المؤسسات، لا طريق الفوضى.
قد تُرتكب أخطاء. نعم. قد تظهر تصرفات فردية غير مسؤولة. نعم. لكن الفارق بين الدول والمجتمعات لا يُقاس بغياب الأخطاء، بل بكيفية تدبيرها.
وفي زمن تتغذى فيه منصات كثيرة على تضخيم الحوادث الصغيرة وتحويلها إلى دليل إدانة شامل، يصبح الهدوء، واحترام القانون، ورفض التعميم، موقفًا سياسيًا وأخلاقيًا في آن واحد. ربما هنا تكمن الرسالة الأعمق التي لم تُكتب في بلاغ النيابة العامة، لكنها حاضرة بين سطوره.