من مقعد في “الفيفا” إلى محاولة تفجير أزمة بين دولتين

0
107

كيف تحوّل خلاف انتخابي داخل الكاف إلى حرب مفتوحة بين الاتحاد السنغالي والمغرب؟

لم يعد الصدام القائم بين الاتحاد السنغالي لكرة القدم والمغرب مجرّد خلاف رياضي حول أحداث نهائي كأس أمم إفريقيا بالرباط، بل أخذ، تدريجياً، ملامح أزمة سياسية مقنّعة، تُستعمل فيها كرة القدم كواجهة لصراع أعمق حول النفوذ، والمواقع، والانتقام داخل دواليب السلطة الكروية الإفريقية والدولية. فبينما كانت “الكاف” تستعد للحسم في ملف العقوبات المرتقبة ضد السنغال بسبب انسحاب منتخبها من النهائي وأعمال الشغب التي رافقته، اختار رئيس الاتحاد السنغالي عبدولاي فال أن يقلب الطاولة، موجهاً أصابع الاتهام مباشرة إلى المغرب، ومقدّماً الرباط باعتبارها “العقل المدبر” لما يحدث داخل المنظمة القارية.

في الظاهر، يبدو الأمر دفاعاً عن منتخب وطني يواجه عقوبات محتملة، لكن في العمق، يتجاوز بكثير حدود مباراة انتهت بالفوضى. فقرار “أسود التيرانغا” مغادرة أرضية الملعب لمدة 14 دقيقة، وما رافقه من انفلات في المدرجات، وضع الاتحاد السنغالي في مواجهة مباشرة مع لجان الانضباط داخل “الكاف” وتحت مراقبة “الفيفا”. غير أن فال، بدل التركيز على الملف القانوني، فضّل تحويل القضية إلى مواجهة بين دولتين، وكأن السنغال لا تواجه مؤسسة رياضية، بل “دولة متآمرة” تسعى لإذلالها.

هذا الانزلاق لم يكن عفوياً، ولا وليد لحظة غضب بعد خسارة لقب، بل هو امتداد لمسار طويل من التوترات الشخصية والسياسية داخل هياكل كرة القدم الإفريقية، يعود إلى مارس 2025، عندما سقط ممثل السنغال في انتخابات المكتب التنفيذي لـ“الفيفا”، بينما صعد فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ليصبح واحداً من أقوى الفاعلين داخل منظومة القرار الكروي العالمي.

في تلك المحطة، التي احتضنتها القاهرة، أعادت الجمعية العمومية لـ“الكاف” رسم خريطة النفوذ داخل “الفيفا”. فإلى جانب الجنوب إفريقي باتريس موتسيبي، الذي ضمن موقعه كنائب لرئيس الاتحاد الدولي بحكم رئاسته للكاف، فاز خمسة مرشحين بمقاعد في المكتب التنفيذي: المغربي فوزي لقجع، الموريتاني أحمد ولد يحيا، المصري هاني أبو ريدة، الجيبوتي سليمان وبري، والقمرية كنزات إبراهيم. في المقابل، خرج السنغالي أوغوستين سنغور، الذي كان يقود الاتحاد المحلي آنذاك، خالي الوفاض.

الهزيمة لم تكن تقنية فقط، بل كانت سياسية بامتياز. سنغور اكتشف أن كل المقاعد التي حُسمت بالتصويت ذهبت لمرشحين من دول تنتمي إلى الفضاء العربي، فاختار أن يفسّر ذلك باعتباره “مؤامرة عنصرية”، موجهاً سهامه أساساً إلى لقجع، الذي كان قد دعم ترشيح الموريتاني ولد يحيا بدل الاصطفاف خلف مرشح غرب إفريقيا. ومنذ تلك اللحظة، تحوّل الأمر من تنافس انتخابي إلى خصومة شخصية، لبست لبوس صراع هوياتي وسياسي.

لم تتوقف سلسلة الضربات عند هذا الحد. ففي غشت 2025، وبعد ستة عشر عاماً على رأس الاتحاد السنغالي، مُني سنغور بهزيمة قاسية في الانتخابات المحلية، حين خرج من الدور الأول بثالث رتبة، قبل أن يتحالف عبدولاي فال مع منافسه مادي توري ويقلب موازين الجولة الثانية. تلك الانتخابات، التي طُعنت نتائجها رسمياً بسبب شبهات “شراء الأصوات”، أفرزت قيادة جديدة محمّلة بإرث من الشكوك، لكنها ورثت أيضاً قناعات سنغور وعداءه الصريح لفوزي لقجع.

هكذا دخل عبدولاي فال إلى المشهد وهو مقتنع بأن رئيس الجامعة المغربية هو “الرجل القوي” داخل الكاف، وأن مواجهته يمكن أن تمنحه شرعية داخلية وشعبية إقليمية. ولم يجد منصة أفضل من كأس أمم إفريقيا 2025 بالمغرب لشنّ هذه المواجهة. فبعد أحداث النهائي، أطلق تصريحات غير مسبوقة، تحدث فيها عن “سيطرة المغرب على كل شيء داخل الكاف”، وذهب إلى حد تصوير الصراع وكأنه معركة وجود بين السنغال و”هيمنة مغربية” على القرار القاري.

غير أن هذه الرواية تصطدم بواقع قانوني صلب. فالملف يوجد بين يدي لجنة الانضباط في “الكاف”، وهي لجنة لا تضم أي عضو مغربي، وتخضع كذلك لمراقبة “الفيفا”. كما أن رئيس الدولة السنغالية، بصيرو ديوماي فاي، وحكومته، حرصوا على الحفاظ على علاقات متوازنة مع الرباط، ما يجعل خطاب فال يبدو وكأنه يعاكس التوجه الرسمي لبلاده، ويغامر بالدبلوماسية خدمةً لأجندة شخصية.

في هذا السياق، تكتسب تصريحات جياني إينفانتينو، رئيس “الفيفا”، وزناً خاصاً. فالرجل، الذي تابع النهائي من المدرجات، لم يترك مجالاً للالتباس حين أدان “بشدة” سلوك بعض لاعبي وأطقم المنتخب السنغالي، واعتبر مغادرة الملعب واللجوء إلى العنف أمراً “غير مقبول ولا يمكن التسامح معه”. دعوته الصريحة للهيئات التأديبية داخل “الكاف” لاتخاذ “الإجراءات المناسبة” فُهمت، في الكواليس، على أن العقوبات قد تكون ثقيلة، وربما تمتد إلى المشاركة في مونديال 2026.

هنا بالضبط، يتضح مغزى التصعيد السنغالي: فحين يضيق الخناق القانوني، يصبح تحويل الملف إلى قضية سياسية وسيلة للهروب إلى الأمام، وخلق ضغط خارجي قد يُربك مسار المحاسبة. لكن بين منطق المؤسسات الرياضية الدولية ومنطق تصفية الحسابات الشخصية، تبدو حسابات فال أقرب إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر، ليس فقط على مستقبل الكرة السنغالية، بل على علاقات بلدين اختارا، تاريخياً، أن يكونا شريكين لا خصمين.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بلقب ضاع أو مباراة انفلتت، بل بصراع نفوذ داخل هرم كرة القدم الإفريقية، حيث يحاول بعض الخاسرين في معارك المكاتب تعويض هزائمهم بإشعال حرائق خارج الملاعب. والمفارقة أن المغرب، الذي اختار الرهان على الشرعية والمؤسسات، يجد نفسه اليوم هدفاً لهجوم سياسي–رياضي، مصدره جرح انتخابي لم يندمل بعد.